أنالهم إياها ، وقال ابن الزبير بعدما أسلفته عنه : فلما طلب تعالى المؤمنين بالوفاء فيما نقض به غيرهم ، وذكّرهم ببعض ما وقع فيه النقض وما أعقب ذلك فاعله ، وأعلمهم بثمرة التزام التسليم والامتثال ، أراهم جل وتعالى ثمرة الوفاء وعاقبته ، فقال تعالى (وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) [المائدة : ١١٦] إلى قوله ـ (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ) ـ إلى آخرها. فيحصل من جملتها الأمر بالوفاء فيما تقدمها وحال من حاد ونقض ، وعاقبة من وفى ، وأنهم الصادقون ، وقد أمرنا أن نكون معهم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة : ١١٩] ـ انتهى.
ولما كان سبحانه قد أمرهم أول السورة بالوفاء شكرا على ما أحل لهم في دنياهم ، ثم أخبر أنه زاد الشاكرين منهم ورقاهم إلى أن أباحهم أجلّ النفائس في أخراهم ، ووصف سبحانه هذا الذي أباحه لهم إلى أن بلغ في وصفه ما لا مزيد عليه ، أخذ يغبطهم به فقال : (ذلِكَ) أي الأمر العالي لا غيره (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
ولما كان هذا الذي أباحه لهم وأباحهم إياه لا يكون إلا بأسباب لا تسعها العقول ، ولا تكتنه بفروع ولا أصول ، علل إعطاءه إياه وسهولته لديه بقوله مشيرا إلى أن كل ما ادعيت فيه الإلهية مما تقدم في هذه السورة وغيرها بعيد عن ذلك ، لأنه ملكه وفي ملكه وتحت قهره : (لِلَّهِ) أي الملك الذي لا تكتنه عظمته ولا تضعف قدرته ، لا لغيره (مُلْكُ السَّماواتِ) بدأ بها لأنها أشرف وأكبر ، وآياتها أدل وأكثر (وَالْأَرْضِ) على اتساعهما وعظمهما وتباعد ما بينهما (وَما فِيهِنَ) أي من جوهر وعرض.
ولما كان ذلك أنهى ما نعلمه ، عمم بقوله : (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) أي من ذلك وغيره من كل ما يريد (قَدِيرٌ) فلذلك هو يحكم ما يريد لأنه هو الإله وحده ، وهو قادر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء ، وإحلال ما شاء وتحريم ما شاء ، والحكم بما يريد ونفع الصادقين الموفين بالعقود الثابتين على العهود ، لأن له ملك هذه العوالم وما فيها مما ادعى فيه الإلهية من عيسى وغيره ، والكل بالنسبة إليه أموات ، بل موات جديرون بأن يعبر عنهم ب «ما» لا ب «من» ، فمن يستحق معه شيئا ومن يملك معه ضرا أو نفعا! وقد انطبق آخر السورة على أولها كما ترى أي انطباق ، واتسقت جميع آياتها أخذا بعضها بحجز بعض أيّ اتساق ؛ فسبحان من أنزل هذا القرآن على أعظم البيان! مخجلا لمن أباه من الأمم ، معجزا لأصحاب السيف والقلم ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
