ولما كان أعظم الأمور التنزيه ، بدأ به كما فعل بنفسه الشريفة في كلمة الدخول إلى الإسلام ، ولما كان أعظم ذلك تنزيهه أمه عليهاالسّلام وتصحيح ما خرق لها من العادة في ولادته ، وكان أحكم ما يكون ذلك بتقوية روحه حتى يكون كلامه طفلا ككلامه كهلا ، قدمه فقال معلقا قارنا بكل نعمة ما يدل على عبوديته ورسالته ، ليخزي من غلا في أمره أو قصّر في وصفه وقدره : (إِذْ أَيَّدْتُكَ) أي قويتك تقوية عظيمة (بِرُوحِ الْقُدُسِ) أي الطهر الذي يحيي القلوب ويطهرها من أوضار الآثام ، ومنه جبرئيل عليهالسلام ، فكان له منه في الصغر حظ لم يكن لغيره ؛ قال الحرالي : وهو يد بسط لروح الله في القلوب بما يحييها الله به من روح أمره إرجاعا إليه في هذه الدار قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من عزرائيل عليهالسلام ثم استأنف تفسير هذا التأييد فقال : (تُكَلِّمُ النَّاسَ) أي من أردت من عاليهم وسافلهم (فِي الْمَهْدِ) أي بما برأ الله من أمك وأظهر به كرامتك وفضلك.
ولما ذكر هذا الفضل العظيم ، أتبعه خارقا آخر ، وهو إحياؤه نفسه وحفظه جسده أكثر من ألف سنة لم يدركه الهرم ؛ فإنه رفع شابا وينزل على ما رفع عليه ويبقى حتى يصير كهلا ، وتسوية كلامه في المهد بكلامه في حال بلوغ الأشدّ وكمال العقل خرقا لما جرت به العوائد فقال : (وَكَهْلاً) ولما ذكر هذه الخارقة ، أتبعها روح العلم الرباني فقال : (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ) أي الخط الذي هو مبدأ العلم وتلقيح لروح الفهم (وَالْحِكْمَةَ) أي الفهم لحقائق الأشياء والعمل بما يدعو إليه العلم (وَالتَّوْراةَ) أي المنزلة على موسى عليهالسلام (وَالْإِنْجِيلَ) أي المنزل عليك.
ولما ذكر تأييده بروح الروح ، أتبعه تأييده بإفاضة الروح على جسد لا أصل له فيها فقال : (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ) أي هذا الجنس (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي) ثم سبب عن ذلك قوله : (فَتَنْفُخُ فِيها) أي في الصورة المهيأة (فَتَكُونُ) أي تلك الصورة التي هيأتها (طَيْراً بِإِذْنِي) ثم بإفاضة روح ما على بعض جسد ، إما ابتداء في الأكمه كما في الذي قبله ، وإما إعادة كما في الحادث العمى والبرص بقوله : (وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ).
ولما كان من أعظم ما يراد بالسياق توبيخ من كفر به كرر قوله : (بِإِذْنِي) ثم برد روح كامل إلى جسدها بقوله : (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى) أي من القبور فعلا أو قوة حتى يكونوا كما كانوا من سكان البيوت (بِإِذْنِي) ثم بعصمة روحه ممن أراد قتله بقوله : (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ) أي اليهود لما هموا بقتلك ؛ ولما كان ذلك ربما أوهم نقصا استحلوا قصده به ، بين أنه قصد ذلك كعادة الناس مع الرسل والأكابر من أتباعهم تسلية لهذا النبي الكريم والتابعين له بإحسان فقال : (إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي كلها ،
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
