الجناح عقب الوصف بالفسق على أنه علة الإباحة ، ولا معنى لفسقها إلا أذاها (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أي محرمون أو في الحرم.
ولما كان سبحانه عالما بأنه لا بد أن يوافق موافق تبعا لأمره ويخالف مخالف موافقة لمراده ، شرع لمن خالف كفارة تخفيفا منه على هذه الأمة ورفعا لما كان على من كان من قبلها من الآصار ، فقال عاطفا على ما تقديره : فمن انتهى فله عند ربه أجر عظيم : (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً) أي قاصدا للصيد ذاكرا للإحرام إن كان محرما ، والحرم إن كان فيه عالما بالتحريم.
ولما كان هذا الفعل العمد موجبا للإثم والجزاء ، ومتى اختل وصف منه كان خطأ موجبا للجزاء فقط ، وكان سبحانه قد عفا عن الصحابة رضي الله عنهم العمد الذي كان سببا لنزول الآية كما في آخرها ، لم يذكره واقتصر على ذكر الجزاء فقال : (فَجَزاءٌ) أي فمكافأة (مِثْلُ ما قَتَلَ) أي أقرب الأشياء به شبها في الصورة لا النوع ، ووصف الجزاء بقوله : (مِنَ النَّعَمِ) لما قتله عليه ، أي عليه أن يكافىء ما قتله بمثله ، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل ، هذا على قراءة الجماعة بإضافة «جزاء» إلى «مثل» ، وأما على قراءة الكوفيين ويعقوب بتنوين «جزاء» ورفع «مثل» فالأمر واضح.
ولما كان كأنه قيل : بما تعرف المماثلة؟ قال : (يَحْكُمُ بِهِ) أي بالجزاء ؛ ولما كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة ، احتاج ذلك إلى زيادة التأمل فقال : (ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) أي المسلمين ، وعن الشافعي أن الذي له مثل ضربان : ما حكمت فيه الصحابة ، وما لم تحكم فيه ، فما حكمت فيه لا يعدل إلى غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية ، وهم أولى من غيرهم لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل ؛ وما لم يحكموا به يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين ، فينظر إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام ، فكل ما كان أقرب شبها به يوجبانه ؛ فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل أحد الحكمين ، وإن كان عمدا فلا ، لأنه يفسق به.
ولما كان هذا المثل يساق إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك رفقا بمساكينها ، قال مبينا لحاله من الضمير في «به» : (هَدْياً) ولما كان الهدي هو ما تقدم تفسيره ، صرح به فقال : (بالِغَ الْكَعْبَةِ) أي الحرم المنسوب إليها ، وإنما صرح بها زيادة في التعظيم وإعلاما بأنها هي المقصودة بالذات بالزيارة والعمارة لقيام ما يأتي ذكره ، تذبح الهدي بمكة المشرفة ويتصدق به على مساكين الحرم ، والإضافة لفظية لأن الوصف بشبه «يبلغ» فلذا وصف بها النكرة.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
