رفع واحدا منهما فرق ذلك فقد أطراه ، ومن نقصه عنه فقد ازدراه ، فالقصد العدل بين الإفراط والتفريط باعتقاد أن أعظم صفات عيسى عليهالسلام الرسالة ، وأكمل صفات أمه الصديقية.
ولما كان المقام مقام البيان عن نزولهما عن رتبة الإلهية ، ذكر أبعد الأوصاف منها فقال : (كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) وخص الأكل لأنه مع كونه ضعفا لازما ظاهرا هو أصل الحاجات المعترية للإنسان ، فهو تنبيه على غيره ، ومن الأمر الجلي أن الإله لا ينبغي أن يدنو إلى جنابه عجز أصلا ، وقد اشتمل قوله تعالى (وَقالَ الْمَسِيحُ) وقوله (كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) [المائدة : ٧٥] على أشرف أحوال الإنسان وأخسها ، فأشرفها عبادة الله ، وأخسها الاشتغال عنها بالأكل الذي هو مبدأ الحاجات.
ولما أوضح ما هو الحق في أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما ادعوه فيهما ، أتبعه التعجب من تمام قدرته على إظهار الآيات وعلى الإضلال بعد ذلك البيان فقال : (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ) أي نوضح إيضاحا شافيا العلامات التي من شأنها الهداية إلى الحق والمنع من الضلال ؛ ولما كان العمى عن هذا البيان في غاية البعد ، أشار إليه بأداة التراخي فقال : (ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى) أي كيف ومن أين ؛ ولما كان العجب قبولهم للصرف وتأثرهم به ، لا كونه من صارف معين ، بني للمفعول قوله : (يُؤْفَكُونَ) أي يصرفون عن الحق وبيان الطريق صرف من لا نور له أصلا من أي صارف كان ، فصرفهم في غاية السفول ، وبيان الآيات في غاية العلو ، فبينهما بون عظيم.
ولما نفى عنهما الصلاحية لرتبة الإلهية للذات ، أتبعها نفي ذلك من حيث الصفات ، فقال منكرا مصرحا بالإعراض عنهم إشارة إلى أنهم ليسوا أهلا للإقبال عليهم : (قُلْ) أي للنصارى أيها الرسول الأعظم (أَتَعْبُدُونَ) ونبه على أن كل شيء دونه ، وأنهم اتخذوهم وسيلة إليه بقوله : (مِنْ دُونِ اللهِ) ونبه بإثبات الاسم الأعظم على أن له جميع الكمال ، وعبر عما عبدوه بأداة ما لا يعقل تنبيها على أنه سبحانه هو الذي أفاض عليه ما رفعه عن ذلك الحيز ، ولو شاء لسلبه عنه فقال : (ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا) أي من نفسه فتخشوه (وَلا نَفْعاً) أي فترجوه ، ليكون لكم نوع عذر أو شبهة ، ولا هو سميع يسمع كل ما يمكن سمعه بحيث يغيث المضطر إذا استغاث به في أي مكان كان ، ولا عليم يعلم كل ما يمكن علمه بحيث يعطي على حسب ذلك ، وكل ما يملك من ذلك فبتمليك الله له كما ملككم من ذلك ما شاء.
ولما نفى عنه ما ذكر تصريحا وتلويحا ، أثبته لنفسه المقدسة كذلك فقال : (وَاللهُ) أي والحال أن الملك الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والكمال كله (هُوَ) أي
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
