الحال كون الفريقين في حيز التأكيد ، ولم يتقدم للصابئة ذكر هنا أصلا فأخرجوا منه تنبيها على أن المقام لا يقتضيه لهم ، فابتدىء بذكرهم اعتراضا ودل على الخبر عنهم بخبر «إن» ، أو أنه لما كان المقام للترغيب في التوبة ، وجعل هؤلاء مع شناعة حالهم بظهور ضلالهم كمن لا إنكار لقبول توبته ، كان غيرهم أولى بذلك ، ولما كان حال النصارى مشتبها ، جعلوا في حيز الاحتمال للعطف على اليهود لما تقدم من ذمهم ، وعلى الصابئة لخفة حالهم بأنهم مع أن أصل دينهم صحيح لم يبلغ ذمهم السابق في هذه السورة مبلغ ذم اليهود (مَنْ آمَنَ) أي منهم مخلصا من قلبه ، ولعله ترك الجار إعراقا في التعميم (بِاللهِ) أي الذي له جميع الجلال والإكرام (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي الذي يبعث فيه العباد بأرواحهم وأشباحهم ، ويبعث من ذكره على الزهادة وألحد في العبادة ، وبالإيمان به يحصل كمال المعرفة بالله تعالى باعتقاد كمال قدرته (وَعَمِلَ صالِحاً) أي صدق إيمانه القلبي بالعمل بما أمر به ، ليجمع بين فضيلتي العلم والعمل ، ويتطابق الجنان مع الأركان (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) يعتد به في دنيا ولا في آخرة (وَلا هُمْ) أي خاصة (يَحْزَنُونَ) أي على شيء فات ، لأنه لا يفوتهم شيء يؤسف عليه أصلا ، وأما غيرهم فهم في الحزن أبدا ، وفي الآية تكذيب لهم في قولهم (لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) [آل عمران : ٧٥] المشار إليه في هذه السورة بنسبتهم إلى أكل السحت في غير موضع ، وفي نصوص التوراة الموجودة بين أظهرهم الآن أعظم ناصح لهم في ذلك كما سبق في أوائل البقرة ، وقال في السفر الرابع منها عند ذكر التيه ووصاياهم إذ أدخلهم الأرض المقدسة ، ومكنهم فيها بأشياء منها القربان : وإن سكن بينكم رجل غريب يقبل إليّ أو بين أولادكم لأحقابكم ويقرب قربانا لريح قتار الذبيحة للرب يفعل كما فعلتم أنتم ، ولتكن السنة واحدة لكم وللذين يقبلون إليّ ويسكنون بينكم سنة جارية لأحقابكم إلى الأبد ، والذين يقبلون إليّ من الغرباء يكونون أمام الرب مثلكم ، ولتكن لكم سنة واحدة وحكومة واحدة لكم وللذين يقبلون إليّ ويسكنون معكم.
(لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
