صغائرهم فلم تكن لهم سيئات : (وَلَوْ أَنَ) ولما كان الضلال من العالم أقبح ، قال : (أَهْلَ الْكِتابِ) أي الفريقين منهم.
ولما كان الإيمان أساس جميع الأعمال ، قدمه إعلاما بأنه لا نجاة لأحد إلا بتصديق محمد صلىاللهعليهوسلم. هذا مع أنه حقيق باشتداد العناية به لمبالغتهم في كتمان ما عندهم منه صلىاللهعليهوسلم فقال : (آمَنُوا) أي بهذا النبي الكريم وما أنزل إليه من هذا الهدى (وَاتَّقَوْا) أي ما هددوا به في كتابهم على ترك الإيمان به على حسب ما دعاهم إليه كتابهم كما في قصة إسماعيل وغيرها إلى أن كان آخر ما فارقهم عليه موسى عليهالسلام في آخر كتابهم التصريح بنبوته عليهالسلام والإشارة إلى أن اتباعه أحق من اتباعه فقال : جاء ربنا من سيناء ؛ وشرق من ساعير ، وتبدّى من جبال فاران ، فأضاف الرب إليهم ، وجعل الإتيان من جبال فاران ـ التي هي مكة ، لا نزاع لهم في ذلك ـ تبديا وظهورا أي لا خفاء به بوجه ، ولا ظهور أتم منه (لَكَفَّرْنا) وأشار إلى عظيم جرأتهم بمظهر العظمة (عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) أي التي ارتكبوها قبل مجيئه وهي مما يسوء ، أي يشتد تنكر النفس له أو تكرّهها ، وأشار إلى سعة رحمته وأنها لا تضيق عن شيء أراده بمظهر العظمة فقال : (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ) أي بعد الموت (جَنَّاتِ النَّعِيمِ) أي بدل ما هم فيه من هذا الشقاء الذي لا يدانيه شقاء.
ولما كان المعنى : ما فعلوا ذلك ، فألزمناهم الخزي في الدنيا والعذاب الدائم في الآخرة ، وكان هذا إجمالا لحالتهم الدنيوية والأخروية ، وكان محط نظرهم الأمر الدنيوي ، رجع ـ بعد إرشادهم إلى إصلاح الحالة الأخروية لأنها أهم في نفسها ـ إلى سبب قولهم تلك الكلمة الشنعاء والداهية القبيحة الصلعاء ، وهو تقتير الرزق عليهم ، وبين أن السبب إنما هو من أنفسهم فقال : (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ) أي قبل إنزال الإنجيل بالعمل بجميع ما دعت إليه من أصل وفرع وثبات عليها وانتقال عنها (وَالْإِنْجِيلَ) أي بعد إنزاله كذلك ، وفي إقامته إقامة التوراة الداعية إليه (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) أي المحسن إليهم من أسفار الأنبياء المبشرة بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام ، ومن القرآن بعد إنزاله ، وفي إقامته إقامة جميع ذلك ، لأنه مبشر به وداع إليه (لَأَكَلُوا) أي لتيسر لهم الرزق ، وعبّر ب «من» لأن المراد بيان جهة المأكول لا الأكل (مِنْ فَوْقِهِمْ).
ولما كان ذلك كناية عن عظم التوسعة ، قال موضحا له معبرا بالأحسن ليفهم غيره بطريق الأولى : (وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) أي تيسرا واسعا جدا متصلا لا يحصر ، أو يكون كناية عن بركات السماء والأرض ، فبين ذلك أنه ما ضربهم بالذل والمسكنة إلا تصديقا
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
