الإيمان (بِاللهِ) أي لما له من صفات الكمال التي ملأت الأقطار وجاوزت حد الإكثار (وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا) أي لما له من الإعجاز في حالات الإطناب والتوسط والإيجاز (وَما أُنْزِلَ.)
ولما كان إنزال الكتب والصحف لم يستغرق زمان المضي ، أثبت الجار فقال : (مِنْ قَبْلُ) أي لما شهد له كتابنا ، وهذه الأشياء التي آمنا بها لا يحيد فيها عاقل ، لما لها من الأدلة التي وضوحها يفوق الشمس ، فحسنها لا شك فيه ولا لبس (وَأَنَ) أي آمنا كلنا مع أن أو والحال أن (أَكْثَرَكُمْ) قيد به إخراجا لمن يؤمن منهم بما دل عليه التعبير بالوصف (فاسِقُونَ) أي عريقون في الفسق ، وهو الخروج عن دار السعادة بحيث لا يمكن منهم رجوع إلى المرضى من العبادة ، فبين أنهم لا ينقمون من المؤمنين إلا المخالفة ، والمخالفة إنما هي بإيمان المسلمين بالله وما أمر به ، وكفر أهل الكتاب بجميع ذلك مع علمهم بما تقدم لهم أن من آمن بالله كان الله معه ، فنصره على كل من يناويه ، وجعل مآله إلى الفوز الدائم ، وأن من كفر تبرأ منه فأهلكه في الدنيا ، وجعل مآله إلى عذاب لا ينقضي سعيره ، ولا ينصرم أنينه وزفيره ، ومن ركب ما يؤديه إلى ذلك على علم منه واختيار لم يكن أصلا أحد أضل منه ولا أعدم عقلا ، وتخصيص النقم بما صدر من المؤمنين يمنع عطف (وَأَنَ) على (أَنْ آمَنَّا.)
ولما أنزلهم سبحانه إلى عداد البهائم بكونهم ينسبونهم إلى الشر بجعلهم إياهم موضع الهزء واللعب وبكونهم ينظرون إلى أن من خالفهم ، فيبعدون منه وينفرون عنه من غير أن يستعملوا ما امتازوا به عن البهائم في أن المخالف ربما كان فيه الدواء ، والمكروه قد يؤول إلى الشفاء ، والمحبوب يجر إلى العطب والتوي ، بين لهم أن تلك رتبة سنية ومنزلة علية بالنسبة إلى ما هم فيه ، فقال على سبيل التنزل وإرخاء العنان : (قُلْ) أي يا من لا ينهض بمحاجتهم لعلمهم ولددهم غيره لما جبلت عليه من قوة الفهم ثم لما أنزل عليك من العلم (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ) أي أخبركم إخبارا متقنا معظما جليلا (بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ) أي الأمر الذي نقمتموه علينا مع كونه قيما وإن تعاميتم عنه ، ووحد حرف الخطاب إشارة إلى عمى قلوبهم وأن هذه المقايسة لا يفهمها حق الفهم إلا المؤيد بروح من الله (مَثُوبَةً) أي جزاء صالحا يرجع إليه ، فإن المثوبة للخير كما أن العقوبة للشر ، وهي مصدر ميمي كالميسور والمعقول ، ثم نوه بشرفه بقوله : (عِنْدَ اللهِ) أي المحيط بصفات الجلال والإكرام ، ثم رده أسفل سافلين بيانا لأنه استعارة تهكمية على طريق : تحية بينهم ضرب وجيع. بقوله ـ جوابا لمن كأنه قال : نعم : (مِنْ) أي مثوبة من (لَعَنَهُ اللهُ) أي أبعده الملك الأعظم وطرده (وَغَضِبَ عَلَيْهِ) أي أهلكه ، ودل على
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
