ولما بين عنادهم وأن عداوتهم لأهل هذا الدين التي حملتهم على هذا الأمر العظيم ليس بعدها عداوة ، نهى من اتسم بالإيمان عن موالاتهم ، لأنه لا يفعلها بعد هذا البيان مؤمن ولا عاقل ، فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان ؛ ولما كان الإنسان لا يوالي غير قومه إلا باجتهاد في مقدمات يعملها وأشياء يتحبب بها إلى أولئك الذين يريد أن يواليهم ، أشار إلى ذلك بصيغة الافتعال فقال : (لا تَتَّخِذُوا) أي إن ذلك لو كان يتأتى بسهولة لما كان ينبغي لكم أن تفعلوه ، فكيف وهو لا يكون إلا ببذل الجهد! (الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) أي أقرباء تفعلون معهم ما يفعل القريب مع قريبه ، وترجون منهم مثل ذلك ، وهم أكثر الناس استخفافا بكم وازدراء لكم ؛ ثم علل ذلك بقوله : (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أي كل فريق منهم يوالي بعضهم بعضا ، وهم جميعا متفقون ـ بجامع الكفر وإن اختلفوا في الدين ـ على عداوتكم يا أهل هذا الدين الحنيفي! (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ) أي يعالج فطرته الأولى حتى يعاملهم معاملة الأقرباء (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) لأن الله غني عن العالمين ، فمن والى أعداءه تبرأ منه ووكله إليهم ؛ ثم علل ذلك تزهيدا فيهم وترهيبا لمتوليهم بقوله : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الغنى المطلق والحكمة البالغة ، وكان الأصل : لا يهديهم ، أو لا يهديه ، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : (لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها ، فهم يمشون في الظلام ، فلذلك اختاروا غير دين الله ووالوا من لا تصلح موالاته ، ومن لم يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن يهديه ، ونفي الهداية عنهم دليل على أن العبرة في الإيمان القلب ، إذ معناه أن هذا الذي يظهر من الإقرار ممن يواليهم ليس بشيء ، لأن الموالي لهم ظالم بموالاته لهم ، والظالم لا يهديه الله ، فالموالي لهم لا يهديه الله فهو كافر ، وهكذا كل من كان يقول أو يفعل ما يدل دلالة ظاهرة على كفره وإن كان يصرح بالإيمان ـ والله الهادي ، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله ـ كما قال صلىاللهعليهوسلم : «لا تراءى ناراهما» (١) ومنه قول عمر لأبي موسى رضي الله عنهما حين اتخذ كاتبا نصرانيا : لا تكرموهم إذ أهانهم الله ، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله ، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله ، وروي أن أبا موسى رضي الله عنه قال : لا قوام
__________________
(١) هو بعض حديث أخرجه أبو داود ٢٦٤٥ والنسائي ٨ / ٣٦ عن قيس عن جرير : «إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم بعث سرية إلى قوم من خثعم فاستعصوا بالسجود فقتلوا فقضى رسول الله صلىاللهعليهوسلم بنصف العقل ، وقال : إني بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. ثم قال : «لا تراءى ناراهما».
قال أبو داود : رواه هيثم ومعمر وخالد الواسطي وجماعة فلم يذكروا جريرا ا ه يعني مرسل.
ومعنى : «لا تراءى ناراهما» أي يجب علم المسلم أن يباعد منزله عن منزل المشرك بحيث لو أشعل نارا لا تظهر لنا وفيه حث على مجاورة المسلمين والهجرة من بلاد المشركين إلا لضرورة.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
