ما يفيد الجمع وزيادة دلالة على ذلك فقال : (مِنَ الْكِتابِ) أي الذي جاء به الأنبياء من قبل (وَمُهَيْمِناً) أي شاهدا حفيظا مصدقا وأمينا رقيبا (عَلَيْهِ) أي على كل كتاب تقدمه ـ كما قاله البخاري في أول الفضائل من الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وفي هذه الصفة بشارة لحفظه سبحانه لكتابنا حتى لا يزال بصفة الشهادة ، فإن الله تعالى استحفظهم كتبهم فعجزوا عنها ، فحرفها محرفوهم وأسقطوا منها وأسقط مسرفوهم ، فتكفل هو سبحانه بحفظ كتابنا فكان قيما عليها ، فما كان فيها موافقا له فهو حق ، وما كان فيها مخالفا فهو إما منسوخ أو مبدل فلا يعتبر ، بل يحكم بما في كتابنا لأنه ناسخ لجميع الكتب ، والآتي به مرسل إلى جميع العالمين ، فملته ناسخة لجميع الملل ، فأنتج هذا وجوب الحكم بما فيه على المؤالف والمخالف بشرطه ؛ فلذا قال مسببا عما قبله : (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ) أي بين جميع أهل الكتب ، فغيرهم من باب الأولى (بِما أَنْزَلَ اللهُ) أي الملك الذي له الأمر كله إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ونحو ذلك من أوصافك (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) فيما خالفه منحرفين (عَمَّا جاءَكَ) وبينه بقوله : (مِنَ الْحَقِّ).
ولما كان كل من كتابيهم من عند الله ، كان كأنه قيل : كيف يكون الحكم بكتابهم الذي يصدقه كتابنا انحرافا عن الحق؟ علل ذلك دالا على النسخ بقوله : (لِكُلٍ) أي لكل واحد (جَعَلْنا) أي بعظمتنا التي نفعل بها ما نشاء من نسخ وغيره ، ثم خصص الإبهام بقوله : (مِنْكُمْ) أي يا أهل الكتب (شِرْعَةً) أي دينا موصلا إلى الحياة الأبدية ، كما أن الشرعة موصلة إلى الماء الذي به الحياة الدنيوية (وَمِنْهاجاً) أي طريقا واضحا مستنيرا ناسخا لما قبله ، وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع ، وهذا وأمثاله ـ مما يدل على أن كل متشرع مختص بشرع وغير متعبد بشرع من قبله ـ محمول على الفروع ، وما دل على الاجتماع كأنه شرع لكم من الدين محمول على الأصول (وَلَوْ شاءَ اللهُ) أي الملك الأعظم المالك المطلق الذي له التصرف التام والأمر الشامل العام أن يجمعكم على شيء واحد (لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً) أي جماعة متفقة يؤم بعضها بعضا ، وحقق المراد بقوله : (واحِدَةً) أي على دين واحد ، ولم يجعل شيئا من الكتب ناسخا لشيء من الشرائع ، لأن الكل بمشيئته ، ولا مشيئة لأحد سواه إلا بمشيئته (وَلكِنْ) لم يشأ ذلك ، بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة (لِيَبْلُوَكُمْ) أي ليعاملكم معاملة المبتلى المختبر (فِي ما آتاكُمْ) أي أعطاكم وقسم بينكم من الشرائع المختلفة ليبرز إلى الوجود ما تعملون في ذلك من اتباع وإذعان اعتقادا أن ذلك مقتضى الحكمة الإلهية ؛ فترجعون عنه إذا قامت البراهين بالمعجزات على صدق ناسخه ، ونهضت الأدلة البينات على صحة
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
