بكمال الفسق ، فإن كان تدينا كان كفرا ، وإن كان لاتباع الشهوات كان مجرد معصية ، لأن الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج عن دائرة الشرع مرة بعد أخرى ، فمن ترك الحكم تكذيبا فقد جمع الدركات الثلاث : ستر الدلائل فتنقل من درجة النور إلى دركة الظلام ، فانكب في مهواة الخروج من المحاسن ، فانحط إلى أقبح المساوي ؛ والتعبير بالوصف المؤذن بالعراقة في مأخذ الاشتقاق معلم بأن المراد بكل واحد منها الكفر ، فحقق أن المراد منه الشرعي لا مطلق الستر غاية التحقيق ، فبين بوصفه بالظلم أنه ستر لما ينبغي إظهاره ، وبالفسق أنه بلغ في كونه في غير موضعه النهاية حتى خرق جميع دائرة المأذون فيه فخرج منها ، وهذا إشارة إلى ذنوب أهل الإنجيل لينتج نقض دعواهم البنوة والمحبة ، لأن المعنى : ومن الواضح بكتابك الذي جعل مهيمنا على جميع الكتب أنهم خالفوا أحكامه فهم فاسقون ، أي خارجون عما من شأنه الاستقرار فيه لنفعه. فواقعون في الظلمة الموجبة لوضع الشيء في غير موضعه المقتضية للتغطية والستر ، وقدم الوصف بالكفر لأن السياق لمن حرف الكلم عن موضعه ، وغير ما كتب من محكم أحكام التوراة من الحدود ، وذلك هو التغطية التي هي معنى الكفر ، لأنه من الظلام ، كما أن الفسق سبب الظلم لأنه الخروج عما من شأنه النفع ، فكان الآخر أولا في المعنى والأول نهاية في الحقيقة ، والآية دالة على أن فيه أحكاما ، وكذا قوله تعالى في آل عمران : (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) [آل عمران : ٥] ، وهذا هو الحق ، وأعظم ما غيّر تحريم السبت الذي كان أعظم شعائرهم فأحله ، وغيّر أيضا غير ذلك من أحكامهم ؛ قال فيما رأيته من ترجمة إنجيل متى : سمعتم ما قيل للأولين : لا تقتل ، فإن من قتل وجبت عليه لائمة الجماعة ، ومن قال لأخيه : أحمق ، فقد وجبت عليه نار جهنم ، إن أنت قدمت قربانك على المذبح وذكرت هناك أن أخاك واجد عليك فدع قربانك هناك قدام المذبح ، وامض أولا وصالح أخاك ، وحينئذ فائت وقدم قربانك ، كن متفهما من خصمك سريعا ما دمت معه في الطريق ، لئلا يسلمك الخصم إلى الحاكم ، والحاكم إلى المستخرج وتلقى في السجن ؛ وفي إنجيل لوقا : إذا رأيتم سحابة تطلع من المغرب قلتم : إن المطر يأتي ؛ فيكون كذلك ، وإذا هبت ريح الجنوب قلتم : سيكون حر ، يا مراؤون! تحسنون تمييز وجه السماء والأرض وهذا الزمان كيف لا تميزونه ، ولا تحكمون بالصدق من قبل نفوسكم! لأنك إذا ذهبت مع خصمك إلى الرئيس فأعطه ما يجب عليك في الطريق تتخلص منه ، لئلا يذهب بك إلى الحاكم فيدفعك الحاكم إلى المستخرج ويلقيك المستخرج في السجن ؛ وقال متى : الحق الحق أقول لك! إنك لا تخرج من هناك حتى تؤدي آخر فلس عليك ، سمعتم ما قيل للأولين :
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
