إلى الحفظ قطعا ، وخص الثاني بالاستحفاظ لأن الأتباع أولى به ، وهو دال على الإسلام.
ولما كان هذا كله ذما لليهود بما تركوا من كتابهم ، ومدحا لمن راعاه منهم ، وكان ذلك الترك إما لرجاء أو خوف ، قال مخاطبا لهذه الأمة كلها طائعها وعاصيها ، محذرا لها من مثل حالهم ومرغبا في مثل حال الأنبياء والتابعين لهم بإحسان ، مسببا عن ذلك : (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ) أي في العمل بحكم من أحكام الله (وَاخْشَوْنِ) أي فإن ذلك حامل لكم على العدل والإحسان ، فمن كان منكم مسلما طائعا فليزدد طاعة ، ومن لم يكن كذلك فليبادر بالانقياد والطاعة ، وهذا شامل لليهود وغيرهم.
ولما قدم الخوف لأنه أقوى تأثيرا أتبعه الطمع فقال : (وَلا تَشْتَرُوا) ولما كان الاشتراء معناه اللجاجة في أخذ شيء بثمن ، وكان المثمن أشرف من الثمن من حيث إنه المرغوب فيه ، جعل الآيات مثمنا وإن اقترنت بالباء ، حتى يفيد الكلام التعجب من الرغبة عنها ، وأنها لا يصح كونها ثمنا فقال : (بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً) أي من الرشى وغيرها لتبدلوها كما بدل أهل الكتاب.
ولما نهى عن الأمرين ، وكان ترك الحكم بالكتاب إما لاستهانة أو لخوف أو رجاء أو شهوة ، رتب ختام الآيات على الكفر والظلم والفسق ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : من جحد حكم الله كفر ، ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم فاسق. فلما كان التقدير : فمن حكم بما أنزل الله فأولئك هم المسلمون ، عطف عليه ما أفهمه من قوله : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ) أي يوجد الحكم ويوقعه على وجه الاستمرار (بِما أَنْزَلَ اللهُ) أي الذي له الكمال كله فلا أمر لأحد معه تدينا بالإعراض عنه ، أعم من أن يكون تركه له حكما بغيره أو لا (فَأُولئِكَ) أي البعداء من كل خير (هُمُ الْكافِرُونَ) أي المختصون بالعراقة في الكفر ، وهذه الآيات من قوله تعالى (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) [المائدة : ٤١] إلى هنا نزلت في الزنا ، ولكن لما كان السياق للمحاربة ، وكان كل من القتل وقطع الطريق والسرقة محاربة ظاهرة مع كونه فسادا صرح به ، ولما كان الزنا محاربة ، خفية بالنظر إلى فحشه وحرمته وجرّه في بعض الصور إلى المحاربة ، وغير محاربة بالنظر إلى كونه في الغالب عن تراض ، وصاحبه غير متزيّ بزيّ المحاربين ، لم يصرح في هذه الآيات باسمه وإن كانت نزلت فيه ، روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه أنه قال في خطبته : «إن الله بعث محمدا وأنزل عليه كتابا ، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» وقد رجم رسول الله صلىاللهعليهوسلم ورجمنا
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
