ولما كان السوءة واجبة الستر ، وكان الميت يصير بعد موته كله سوءة ، قال منبها على ذلك وعلى أنها السبب في الدفن بالقصد الأول : (سَوْأَةَ) أي فضيحة (أَخِيهِ) أي أخي قابيل وهو هابيل المقتول ، وصيغة المفاعلة تفيد أن الجثة تريد أن يكون القاتل وراءها ، والقاتل يريد كون الجثة وراءه ، فيكونان بحيث لا يرى واحد منهما الآخر ، ولعل بعث الغراب إشارة إلى غربة القاتل باستيحاش الناس منه وجعله مما ينفر عنه ويقتله كل من يقدر عليه ، ومن ثمّ سمى الغراب البين ، وتشاءم به من يراه.
ولما كان كأنه قيل : إن هذا لعجب ، فما قال؟ قيل : (قالَ) الكلمة التي تستعمل عند الداهية العظيمة لما نبهه ذلك ، متعجبا متحيرا متلهفا عالما أن الغراب أعلم منه وأشفق ، منكرا على نفسه (يا وَيْلَتى) أي أحضرني يا ويل! هذا أوانك أن لا يكون لي نديم غيرك ؛ ولما تفجع غاية الفجيعة وتأسف كل الأسف ، أنكر على نفسه فقال : (أَعَجَزْتُ) أي مع ما جعل لي من القوة القاطعة (أَنْ أَكُونَ) مع ما لي من الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك (مِثْلَ هذَا الْغُرابِ) وقوله مسببا عن ذلك : (فَأُوارِيَ سَوْأَةَ) أي عورة وفضيحة (أَخِي) نصب عطفا على أكون لا على جواب الاستفهام ، لأنه إنكاري فمعناه النفي ، لأنه لم تكن وقعت منه مواراة لينكر على نفسه ويوبخها بسببها ، ولو كانت وقعت لم يصح إنكارها على تقدير عدم العجز الذي أفادته الهمزة (فَأَصْبَحَ) بسبب قتله (مِنَ النَّادِمِينَ) أي على ما فعل ، لأنه فقد أخاه وأغضب ربه وأباه ، ولم يفده ذلك ما كان سبب غيظه ، بل زاده بعدا ، وذكر أن آدم عليهالسلام لما علم قتله رثاه بشعر ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ردّ ذلك ، وأن الأنبياء عليهمالسلام كلهم في النهي عن الشعر سواء ، وقال صاحب الكشاف : وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر ، «ولا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم هذا كفل من دمها بما سن» (١) رواه مسلم وغيره عن عبد الله ، وكذا «كل من سن سنة سيئة» (٢) ولهذا قال عليهالسلام «إن
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٣٣٥ ومسلم ١٦٧٧ والنسائي في الكبرى ٣٤٤٧ ، ١١١٤٢ وابن ماجه ٢٦١٦ والبيهقي ٨ / ١٥ وعبد الرزاق ١٩٧١٨ والديلمي في الفردوس ٨٠٠٧ وأحمد ١ / ٣٨٣ كلهم من حديث عبد الله بن مسعود بألفاظ متقاربة.
(٢) صحيح. يشير المصنف لحديث : «من سنّ في الإسلام سنة حسنة ، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعد ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». أخرجه مسلم ١٠١٧ والترمذي ٢٦٧٥ والنسائي ٥ / ٧٥ ، ٧٧ وابن ماجه ٢٠٣ وابن أبي شيبة ٣ / ١٠٩ ، ١١٠ والبغوي ١٦٦١ والطبراني ٢٣٧٥ ، ٢٣٧٣ ، ٢٣٧٤ وابن حبان ٣٣٠٨ والطيالسي ٦٧٠ والبيهقي ٤ / ١٧٦ وأحمد ٤ / ٣٥٧ ، ٣٥٨ ، ٣٥٩ كلهم من حديث جرير بعضهم مطوّلا ، وبعضهم مختصرا ، وإسناده صحيح وفي الباب أحاديث.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
