وتفسيقهم وتبرئهم من الله ، ولا شيء من ذلك فعل حبيب ولا ولد ، فقال عاطفا على نعمة في (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) [المائدة : ٧] تذكيرا لهذه الأمة بنعمة التوثيق للسمع والطاعة التي أباها بنو إسرائيل بعدما رأوا من الآيات ، وبما كف عنهم على ضعفهم وشجع به قلوبهم ، وألزمهم الطاعة وكره إليهم المعصية بضد ما فعل ببني إسرائيل ـ وغير ذلك مما يرشد إليه إنعام النظر في القصة : (وَإِذْ) أي واذكروا حين (قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ) أي من اليهود (يا قَوْمِ اذْكُرُوا) أي بالقلب واللسان ، أي ذكر اعتبار واتعاظ بما لكم من قوة القيام بما تحاولونه ، ليقع منكم الشكر (نِعْمَتَ اللهِ) أي إنعام الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام ، وعبر عن الإنعام بالغاية لأنها المقصود (عَلَيْكُمْ) وعظم ذلك التذكير بالاسم الأعظم ، ونبه بذكر ظرفها على أجل النعم ، وهي النبوة المنقذة لهم من النار فقال : (إِذْ) أي حين (جَعَلَ فِيكُمْ) وبشرهم بمن يأتي بعده من الأنبياء من بني إسرائيل فجمع جمع الكثرة في قوله : (أَنْبِياءَ) أي يحفظونكم من المهالك الدائمة ، ففعل معكم ـ بذلك وغيره من النعم التي فضلكم بها على العالمين في تلك الأزمان ـ فعل المحب مع حبيبه والوالد مع ولده ، ومع ذلك عاقبكم حين عصيتم ، وغضب عليكم إذ أبيتم ، فعلم أن الإكرام والإهانة دائران بعد مشيئته على الطاعة والمعصية.
ولما نقلهم من الحيثية التي كانوا فيها عبيدا لفرعون ، لا يصلحون معها لملك ، ولا تحدثهم أنفسهم به ، إلى حيثية الحرية القابلة لأن يكون كل منهم معها ملكا بعد أن أرسل فيهم رسولا وبشر بأنه يتبعه من الأنبياء ما لم يكن في أمة من الأمم غيرهم ، قال : (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) أي فكما جعلكم كذلك بعد ما كنتم غير طامعين في شيء منه ، فقد نقله منكم وجعله في غيركم بتلك القدرة التي أنعم عليكم بها ، وذلك لكفركم بالنعم وإيثاركم الجهل على العلم ، فإنكاركم لذلك وتخصيص النعم بكم تحكم وترجيح بلا مرجح ، ويوضح ذلك أن كفر النعمة سبب لزوالها ، وقد كانوا يهددون في التوراة وغيرها بما هم فيه الآن من ضرب الذلة والمسكنة التي لا يصلحون معها لملك إن هم كفروا ـ كما سيأتي بعض ذلك في هذه السورة.
ولما ذكرهم تعالى بما ذكرهم به من النعم العامة ، أتبعه التذكير بنعمة خاصة فقال : (وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ) أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف الزمان ـ كما اقتضاه التعبير بلم (أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ) من الآيات التي أظهرها على يد موسى عليهالسلام ، فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور ، والكتاب الذي جعله تبيانا لكل شيء ؛ ثم أتبعه ما يقيد به هذه النعم من الشكر بامتثال الأمر في جهاد الأعداء في سياق مؤذن بالنصر معلم
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
