غريقون في كل من الوصفين ـ كما يدل عليه العطف بالواو ، ثم شرع ينقض هذه الدعوى نقضا بعد نقض على تقدير كون البنوة على حقيقتها أو مجازها ، والذي أورثهم هذه الشبهة ـ إن لم يكونوا قالوا ذلك عنادا ـ أن في موضع من التوراة عن قول الله تعالى لموسى عليهالسلام : شعبي بكري ، وقال في أول نبوة موسى عليهالسلام ـ كما ذكرته في الأعراف : وقل لفرعون : هكذا يقول الرب : ابني بكري إسرائيل أرسل ليعبدني ، فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكرك ـ ونحو هذا ؛ وفي كثير مما بين أيديهم من الإنجيل عن قول عيسى عليهالسلام : افعلوا كذا لتكونوا بني أبيكم الذي في السماء ـ ونحو ذلك ، وقد بينت معناه على تقدير صحته بما يوجب رده إلى المحكم بلا شبهة في أول سورة آل عمران ؛ قال البيضاوي في أول سورة الكهف : إنهم كانوا يطلقون الأب والابن في تلك الأديان بمعنى المؤثر والأثر ، وقال في البقرة في تفسير (بَدِيعُ السَّماواتِ) [البقرة : ١١٧] : أنهم كانوا يطلقون الأب على الله باعتبار أنه السبب الأصلي ، ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة ، فلذاك كفر قائله ومنع منه منعا مطلقا انتهى. فأول نقض نقض به سبحانه وتعالى هذه الدعوى بيان أنه يعذبهم فقال : (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ) أي إن كنتم جامعين بين كونكم أبناء وأحباء بين عطف النبوة وحنو المحبة (بِذُنُوبِكُمْ) وعذابهم مذكور في نص توراتهم في غير مواطن ومشهور في تواريخهم بجعلهم قردة وخنازير وغير ذلك ، أي فإن كان المراد بالبنوة الحقيقة فابن الإله لا يكون له ذنب فضلا عن أن يعذب به ، لأن الابن لا يكون إلا من جنس الأب ـ تعالى الله عن النوعية والجنسية والصاحبة والولد علوا كبيرا! وإن كان المراد المجاز ، أي بكونه يكرمكم إكرام الولد والحبيب ، كان ذلك مانعا من التعذيب.
ولما كان معنى ذلك أن يعذبكم لأنكم لستم أبناء ولا أحباء ، عطف عليه نقضا آخر أوضح من الأول فقال : (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) وذلك أمر مشاهد ، والمشاهدات من أوضح الدلائل ، فأنتم مساوون لغيركم في البشرية والحدوث ، لا مزية لأحد منكم على غيره في الخلق والبشرية ، وهما يمنعان البنوة ، فإن القديم لا يلد بشرا ، والأب لا يخلق ابنه ، فامتنع بهذين الوصفين البنوة ، وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله ؛ فبطل الوصفان اللذان ادعوهما.
ولما كان التقدير : يفعل بكم ما يفعل بسائر خلقه ، وصل به قوله جوابا لمن يقول : وما هو فاعل بمن خلق؟ : (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ) أي من خلقه منكم ومن غيركم فضلا منه تعالى (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) عدلا كما تشاهدونه يكرم ناسا منكم في هذه الدار ويهين آخرين.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
