راسخة ، عبر بالكون فقال تعالى : (كُونُوا قَوَّامِينَ) أي مجتهدين في القيام على النساء اللاتي أخذتموهن بعهد الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، وعلى غيرهن في الصلاة وغيرها من جميع الطاعات التي عاهدتم على الوفاء بها.
ولما كان مبنى السورة على الوفاء بالعهد الوثيق ، وكان الوفاء بذلك إنما يخف على النفوس ، ويصح النشاط فيه ، ويعظم العزم عليه بالتذكر بجلالة موثقه وعدم انتهاك حرمته ، لأن المعاهد إنما يكون باسمه ولحفظ حده ورسمه ، قدم قوله : (لِلَّهِ) أي الذي له الإحاطة بكل شيء. بخلاف ما مضى في النساء.
ولما كان من جملة المعاقد عليه ليلة العقبة «ليلة تواثقوا على الإسلام» (١) أن يقولوا بالحق حيث ما كانوا ، لا يخافون في الله لومة لائم ، قال : (شُهَداءَ) أي متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يسد عنها شيء مما تريدون الشهادة به (بِالْقِسْطِ) أي العدل ، وقال الإمام أبو حيان (٢) في نهره : إن التي جاءت في سورة النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين ، فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل والسواء من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة ، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والاحن ، فبدىء فيها بالقيام لله إذ كان الأمر بالقيام لله أولا أردع للمؤمنين ، ثم أردف بالشهادة بالعدل ، فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو القسط ، والتي في معرض العداوة والشنآن (٣) بدىء فيها بالقيام لله ، فناسب كل معرض ما جيء به إليه ، وأيضا فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا) [النساء : ١٢٩] وقوله (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا) [النساء : ١٢٨] فناسب ذكر تقديم القسط ، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط. انتهى.
ولما كان أمر بهذا الخبر ، نهى مما يحجب عنه فقال : (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ) أي يحملنكم (شَنَآنُ قَوْمٍ) أي شدة عداوة من لهم قوة على القيام في الأمور من المشركين ، بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد قوتهم (عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا) أي أن تتركوا قصد العدل ، وهو يمكن أن يدخل فيه بغض أهل الزوجة الكافرة أو ازدراؤها في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها ، فأمروا بالعدل حتى بين هذه المرأة الكافرة وضرّاتها المسلمات ، وإذا كان هذا شأن الأمر به في الكافر فما الظن به في المسلم؟ ثم استأنف
__________________
(١) يشير للحديث المتقدم.
(٢) هو الإمام أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي نحوي عصره ومفسره ومحدثه له من التصانيف البحر المحيط في التفسير توفي سنة : ٧٤٥
(٣) الشنآن : الحقد والبغضاء.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
