وقال صاحب كتاب الزينة : يقال : إنه كانت عندهم سبعة قداح مستوية من شوحط ، (١) وكانت بيد السادن (٢) ، مكتوب عليها «نعم» «لا» «منكم» «من غيركم» «ملصق» «العقل» «فضل العقل» فكانوا إذا اختلفوا في نسب الرجل جاؤوا إلى السادن بمائة درهم ، ثم قالوا للصنم : يا إلهنا! قد تمارينا في نسب فلان ، فأخرج علينا الحق فيه ، فتجال القداح فإن خرج القدح الذي عليه «منكم» كان أوسطهم نسبا ، وإن خرج الذي عليه «من غيركم» كان حليفا وإن خرج «ملصق» كان على منزلته لا نسب له ولا حلف ، وإذا أرادوا سفرا أو حاجة جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا! أردنا كذا ، فإن خرج «نعم» فعلوا ، وإن خرج «لا» لم يفعلوا ، وإن جنى أحدهم جناية ، فاختلفوا فيمن يحمل العقل جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا! فلان جنى عليه ، أخرج الحق ، فإن خرج القدح الذي عليه «العقل» لزم من ضرب عليه وبرىء الآخرون ، وإن خرج غيره كان على الآخرين العقل ، وكانوا إذا عقلوا العقل ففضل الشيء منه تداروا فيمن يحمله ، فضربوا عليه ؛ فإن خرج القدح الذي عليه «فضل العقل» للذي ضرب عليه لزمه ، وإلا كان على الآخرين الذين لم يضرب عليهم فهذا الاستقسام الذي حرمه الله لأنه يكون عند الأصنام ويطلبون ذلك منها ، ويظنون أن الذي أخرج لهم ذلك هو الصنم ، وأما إجالة السهام لا على هذا الوجه فهو جائز ، هو وتساهم واقتراع لا استقسام وقال أبو عبيدة : واحد الأزلام زلم ـ بفتح الزاء ، وقال بعضهم بالضم وهو القدح لا ريش له ولا نصل ، فإذا كان مريّشا فهو السهم ـ والله أعلم ؛ ويجوز أن يراد مع هذا ما كانوا يفعلونه في الميسر ـ على ما مضى في البقرة ، فإنه طلب معرفة ما قسم من الجزور ، ويلتحق بالأول كل كهانة وتنجيم ، وكل طيرة يتطيرها الناس الان من التشاؤم ببعض الأيام وبعض الأماكن والأحوال ، فإياك أن تعرج على شيء من الطيرة ، فتكون على شعبة جاهلية ، ثم إياك!.
ولما كانت هذه الأشياء شديدة الخبث أشار إلى تعظيم النهي عنها بأداة البعد وميم الجمع فقال : (ذلِكُمْ) أي الذي ذكرت لكم تحريمه (فِسْقٌ) أي فعله خروج من الدين.
ولما كانت هذه المنهيات معظم دين أهل الجاهلية ، وكان سبحانه قد نهاهم قبلها عن إحلال شعائر الله والشهر الحرام وقاصدي المسجد الحرام بعد أن كان أباح لهم ذلك في بعض الأحوال والأوقات بقوله : (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ـ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ
__________________
(١) الشوحط : شجر يتخذ منه القسيّ. والقسي الدراهم الزيوف ...
(٢) سدن مسدنا وسدانة : خدم الكعبة أو بيت الصنم ومن عمل بالحجابة ، فهو سادن ا ه قاموس.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
