من الكرم والجود والسخاء ما انغلق عليهم أمره وانبهم لديهم سره من حكم الكلالة ، وللاعتناء بأمر المواريث قال إشارة إلى أن الله لم يكل أمرها إلى غيره : (قُلِ اللهُ) أي الملك الأعظم (يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) وهو من لا ولد له ؛ ولا والد روى البخاري في التفسير عن البراء رضي الله عنه قال : آخر سورة نزلت براءة وآخر آية نزلت (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ»)(١) ، وقال الأصبهاني عن الشعبي : اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الكلالة ، فقال أبو بكر : هو ما عدا الوالد ، وقال عمر : ما عدا الوالد والولد ، ثم قال عمر : إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر رضي الله عنه ؛ ثم استأنف قوله : (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ) أي وهو موصوف بأنه ، أو حال كونه (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) أي وإن سفل سواء كان ذكرا أو أنثى عند إرث النصف ، وليس له أيضا والد ، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة وقد بينت ذلك السنة ؛ قال الأصبهاني : وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة ، وهو قوله عليه الصلاة والسّلام : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر ، والأب أولى من الأخ» (٢)(وَ) الحال أنه (لَهُ أُخْتٌ) أي واحدة من أب شقيقة كانت أو لا ، لأنه سيأتي أن أخاها يعصبها ، فلو كان ولد أم لم يعصب (فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ) أي وهذا الأخ الميت (يَرِثُها) أي إن ماتت هي وبقي هو ، جميع مالها (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) أي ذكرا كان أو أنثى ـ كما مر في عكسه ، هذا إن أريد بالإرث جميع المال ، وإلا فهو يرث مع الأنثى كما أنها هي أيضا ترث مع الأنثى ـ كما يرشد إليه السياق أيضا ـ دون النصف.
ولما بين الأمر عند الانفراد أتبعه بيانه عند الاجتماع ، وقدم أقله فقال : (فَإِنْ كانَتَا) أي الوارثتان ببيان السياق لهما وإرشاده إليهما ؛ ولما أضمر ما دل عليه السياق ، وكان الخبر صالحا لأن يكون : صالحتين ، أو صغيرتين ، أو غير ذلك ؛ بين أن المراد ـ كما يرشد إليه السياق أيضا ـ مطلق العدد على أي وصف اتفق فقال : (اثْنَتَيْنِ) أي من الأخوات للأب شقيقتين كانتا أو لا (فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ) فإن كانتا شقيقتين كان لكل منهما ثلث ، وإن اختلفتا كان للشقيقة النصف وللتي للأب فقط السدس تكملة الثلثين.
ولما بين أقل الاجتماع أتبعه ما فوقه فقال : (وَإِنْ كانُوا) أي الوارث (إِخْوَةً) أي
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٦٠٥ والترمذي ٣٠٤١ والنسائي في الكبرى ١١١٣٨.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٦٧٤٦ و ٦٧٣٢ و ٦٧٣٥ و ٦٧٣٧ ومسلم ١٦١٥ وأبو داود ٢٨٩٨ والترمذي ٢٠٩٨ والنسائي في الكبرى ٦٣٣١ وابن ماجه ٢٧٤٠ والدارقطني ٤ / ٧٢ وابن حبان ٦٠٢٨ ـ ٦٠٢٩ والطبراني ١٠٩٠١ وأبو يعلى ٢٣٧١ والطحاوي ٤ / ٣٩٠ وابن الجارود ٩٥٥ والطيالسي ٢٦٠٩ والدارمي ٢ / ٣٦٨ وأحمد ١ / ٢٩٢ و ٣٢٥ كلهم من حديث ابن عباس بألفاظ متقاربة.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
