ولما عم بالحشر المستكبرين وغيرهم جاء التفصيل إلى القسمين فقال : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أذعنوا لله تعالى وخضعوا له (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) تصديقا لإقرارهم بالإيمان (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) أي التي جرت العادات بينكم أن يعطوها وإن كانوا في الحقيقة لا يستحقونها ، لأن الله تعالى هو الذي وفقهم لها ، فهي فضل منه عليهم (وَيَزِيدُهُمْ) أي بعد ما قضيت به العادات (مِنْ فَضْلِهِ) أي شيئا لا يدخل تحت الحصر لأنه ذو الفضل العظيم (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا) أي طلبوا كلا من الإباء والكبر (فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً) أي بما وجدوا من لذاذة الترفع والكبر ، وآلموا بذلك أولياء الله (وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ) أي حالا ولا مآلا (مِنْ دُونِ اللهِ) الذي لا أمر لأحد معه (وَلِيًّا) أي قريبا يصنع معهم ما يصنع القريب (وَلا نَصِيراً) أي وإن كان بعيدا ، وفي هذا أتم زاجر عما قصده المنافقون من موالاة أهل الكتاب ، وأعظم ناف لما منّوهم إياه مما لهم وزعموا من المنزلة عند الله ، المقتضية لأن يقربوا من شاؤوا ، ويبعدوا من شاؤوا ، وهو من أنسب الأشياء لختام أول الآيات المحذرة منهم (وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً) [النساء : ٤٥].
ولما أزاح شبه جميع المخالفين من سائر الفرق : اليهود والنصارى والمنافقين ، وأقام الحجة عليهم ، وأقام الأدلة القاطعة على حشر جميع المخلوقات ، فثبت أنهم كلهم عبيده ؛ عمّ في الإرشاد لطفا منه بهم فقال : (يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي كافة أهل الكتاب وغيرهم.
ولما كان السامع جديرا بأن يكون قد شرح صدرا بقواطع الأدلة بكلام وجيز جامع قال : (قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ) أي حجة نيّرة واضحة مفيدة لليقين التام ، وهو رسول مؤيد بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها (مِنْ رَبِّكُمْ) أي المحسن إليكم بإرساله الذي لم تروا قط إحسانا إلا منه.
ولما كان القرآن صفة الرحمن أتى بمظهر العظمة فقال : (وَأَنْزَلْنا) أي بما لنا من العظمة والقدرة والعلم والحكمة على الرسول الموصوف ، منتهيا (إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) أي واضحا في نفسه موضحا لغيره ، وهو هذا القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه بين تحقيق النقل وتبصير العقل ، فلم يبق لأحد من المدعوين به نوع عذر ، والحاصل أنه سبحانه لما خلق للآدمي عقلا وأسكنه نورا لا يضل ولا يميل مهما جرد ، ولكنه سبحانه حفّه بالشهوات والحظوظ والملل والفتور ، فكان في أغلب أحواله قاصرا إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ومن ألحقه سبحانه بهم ؛ أنزل كتبه بذلك العقل مجردا عن كل عائق ، وأمرهم أن يجعلوا عقولهم تابعة له منقادة به ، لأنها مشوبة ، وهو مجرد لا شوب فيه بوجه.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
