كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات ، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات ، ولا تكلم هو في المهد ، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة ، ولا قدر على إحياء الموتى ، وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم الحكيم أظهر المعجزات على يد من لا يحبه ، وذلك مناف للحكمة ، فهو كذب على الله بعيد عن تنزيهه ، ومن قال : إن الله أو ابن الله ، فهو أبطل وأبطل ، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثا ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ عنهما ، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله ، فلم يصلح للإلهية ، وذلك أبطل الباطل.
ولما ادعى اليهود أنه غير رسول ، والنصارى أنه إله ، حسن تعقيبه بقوله : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ) أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه الإمام بدهن القدس ، لما فيه من صلاحية الإمامة ، وهو أهل أيضا لأن يمسح الناس ويطهرهم. لما له من الكرامة ، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر ، وكان قد يوصف به غيره بيّنه بقوله : (عِيسَى) ثم أخبر عنه بقوله : (ابْنُ مَرْيَمَ) اتصل بها اتصال الأولاد بأمهاتهم ، لا يصح نسبته للبنوة إلى غيرها ، وليس هو الله ولا ابن الله ـ كما زعم النصارى (رَسُولُ اللهِ) لا أنه لغير رشدة ـ كما كذب اليهود.
ولما كان تكّونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر ، جعل نفس الكلمة فقال : (وَكَلِمَتُهُ) لأنه كان بها من غير تسبب عن أب بل ، كونا خارقا للعوائد (أَلْقاها) أي أوصلها على علو أمره وعظيم قدرته إيصالا سريعا (إِلى مَرْيَمَ) وحصلها فيها ، وزاده تشريفا بقوله : (وَرُوحٌ) أي عظيمة نفخها فيما تكّون في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة ، لا بمادة من ذكر ، والروح هو النفخ في لسان العرب ، وهو كالريح إلا أنه أقوى ، بما له من الواو والحركة المجانسة لها ، ولغلبة الروح عليه كان يحيي الموتى إذا أراد ، وأكمل شرفه بقوله : (مِنْهُ) أي وإن كان جبرئيل هو النافخ ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل : روح ، لا سيما إن كان به حياة في دين أو بدن.
ولما أفصح بهذا الحق سبب عنه قوله : (فَآمِنُوا بِاللهِ) أي الذي لا يعجزه شيء ، ولا يحتاج إلى شيء (وَرُسُلِهِ) أي عيسى عليه الصلاة والسّلام وغيره عامة ، من غير إفراط ولا تفريط ، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض ، فإن ذلك حقا هو الكفر الكامل ـ كما مر.
ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم عن التلبس بالباطل فقال : (وَلا تَقُولُوا) أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام (ثَلاثَةٌ) أي استمروا أيها اليهود على التكذيب بما يقول فيه النصارى ، ولا تقولوا : إنه متولد من أب وأم لغير رشدة ـ المقتضي للتثليث ،
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
