الصلاة والسّلام لأنه أعظم ما نقضوا فيه وأخص من مطلق النقض (وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ) وهو أعظم من مطلق كفرهم ، لأن ذلك سد لباب الإيمان عنهم وعن غيرهم ، لأن الأنبياء سبب الإيمان وفي محو السبب محو المسبب.
ولما كان الأنبياء معصومين من كل نقيصة ، ومبرئين من كل دنية ، لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه ؛ قال : (بِغَيْرِ حَقٍ) أي كبير ولا صغير أصلا. وهذا الحرف ـ لكونه في سياق طعنهم في القرآن الذي هو أعظم الآيات ـ وقع التعبير فيه أبلغ مما في آل عمران الذي هو أبلغ مما سبق عليه ، لأن هذا مع جمع الكثرة وتنكير الحق عبر فيه بالمصدر المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقا وصفة راسخة ، بخلاف ما مضى ، فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض ؛ ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال : (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ) أي لا ذنب لنا لأن قلوبنا خلقت من أصل الفهم بعيدة عن فهم مثل ما يقول الأنبياء ، لكونها في أغشية ، فهي شديدة الصلابة ، وذلك سبب قتلهم ورد قولهم ، وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبي الكريم ، ويشهدون له بالرسالة وبأنه خاتم الأنبياء ، ويصفونه بأشهر صفاته ، ويترقبون إتبانه ، لا جرم رد الله عليهم بقوله عطفا على ما تقديره : وقد كذبوا لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان ، فلم تكن قلوبهم في الأصل غلفا : (بَلْ طَبَعَ اللهُ) أي الذي له معاقد العز ومجامع العظمة (عَلَيْها) طبعا عارضا (بِكُفْرِهِمْ) بل إنه خلقها أولا على الفطرة متمكنة من اختيار الخير والشر ، فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقض ـ عن الخير ، واختاروا الشر باتباع شهواتهم الناشئة من نفوسهم ، وترك ما تدعو إليه عقولهم ، طبع سبحانه وتعالى عليها. فجعلها قاسية محجوبة عن رحمته ، ولذا سبب عنه قوله : (فَلا يُؤْمِنُونَ) أي يجددون الإيمان في وقت من الأوقات الآتية ، ويجوز أن يتعلق بما تقديره تتمة لكلامهم : طبع الله عليها فهي لا تعي ، وتكون «بل» استدراكا للطبع بالكفر وحده ، لأنه ربما انضم إليه ، وأن يكون أضرب عن قولهم : إنها في غلف ، لكون ما في الغلاف قد يكون مهيئا لإخراجه من الغلاف إلى الطبع الذي من شأنه الدوام (إِلَّا قَلِيلاً) من الإيمان بأن يؤمنوا وقتا يسيرا كوجه النهار ويكفروا في غيره ، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض ، أو إلا أناسا قليلا منهم ـ كما كان أسلافهم يؤمنون بما يأتي به موسى عليه الصلاة والسّلام من الآيات ، ثم لم يكن بأسرع من كفرهم وتعنتهم بطلب آية أخرى كما هو مذكور في توراتهم التي بين أظهرهم ، ونقلت كثيرا منه في هذا الكتاب ، فقامت الحجة عليهم بأنهم يفرقون بين قدرتهم على الإيمان وقدرتهم على الطيران.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
