ولما ذكر تعالى آية التفرق وختمها بصفتي السعة والحكمة دل على الأول ترغيبا في سؤاله بقوله : (وَلِلَّهِ) أي الذي له العظمة كلها (ما فِي السَّماواتِ) ولما كان في السياق بيان ضعف النفوس وجبلها على النقائص ، فكانت محتاجة إلى تقوية الكلام المخرج لها عما ألفت من الباطل قال : (وَما فِي الْأَرْضِ) وعلى الثانية بالوصية بالتقوى لأنه كرر الحث على التقوى في هذه الجمل في سياق الشرط بقوله : (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا) [النساء : ١٢٨] (وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا) [النساء : ١٢٨] فأخبر تعالى بعد اللطف بذلك السياق أن وصيته بها مؤكدة ، لم تزل قديما وحديثا ، لأن العلم بالمشاركة في الأمر يكون أدعى للقبول ، وأهون على النفس ، فقال تعالى : (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا) أي على ما لنا من العظمة.
ولما كان الاشتراك في الأحكام موجبا للرغبة فيها والتخفيف لثقلها ، وكانت الوصية للعالم أجدر بالقبول قال : (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي التوراة والإنجيل وغيرهما ، وبنى الفعل للمجهول لأن القصد بيان كونهم أهل علم ليرغب فيما أوصوا به ، ودلالة على أن العلم في نفسه مهيىء للقبول ، ولإفادة أن وصيتهم أعم من أن تكون في الكتاب ، أو على لسان الرسول من غير كتاب ، ولما كان إيتاؤهم الكتاب غير مستغرق للماضي وكذا الإيصاء قال : (مِنْ قَبْلِكُمْ) أي من بني إسرائيل وغيرهم (وَإِيَّاكُمْ) أي ووصيناكم مثل ما وصيناهم ؛ ولما كانت التوصية بمعنى القول فسرها بقوله : (أَنِ اتَّقُوا اللهَ) أي الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا كفوء له.
ولما كان التقدير : فإن تتقوا فهو حظكم وسعادتكم في الدارين ، عطف عليه قوله : (وَإِنْ تَكْفُرُوا) أي بترك التقوى (فَإِنَّ لِلَّهِ) أي الذي له الكمال المطلق (ما فِي السَّماواتِ) ولما كان السياق لفرض الكفر حسن التأكيد في قوله : (وَما فِي الْأَرْضِ) منكم ومن غيركم من حيوان وجماد أجسادا وأرواحا وأحوالا.
ولما كان المعنى : لا يخرج شيء عن ملكه ولا إرادته ، ولا يلحقه ضرر بكفركم ، ولم تضروا إن فعلتم إلا أنفسكم ، لأنه غني عنكم ، لا يزداد جلاله بالطاعات ، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات ؛ أكده بقوله دالا على غناه واستحقاقه للمحامد : (وَكانَ اللهُ) أي الذي له الإحاطة كلها (غَنِيًّا) أي عن كل شيء الغنى المطلق لذاته (حَمِيداً) أي محمودا بكل لسان قالي وحالي ، كفرتم أو شكرتم. فكان ذلك غاية في بيان حكمته.
ولما كان الملك قد لا يمنع الاعتراض على المالك بين أن ذلك إنما هو في الملك الناقص وأنه ملكه تام : (وَلِلَّهِ) أي الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة (ما فِي
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
