هموا لما أضلوك (وَما يُضِلُّونَ) أي على حالة من حالات هذا الهم (إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) إذ وبال ذلك عليهم (وَما يَضُرُّونَكَ) أي يجددون في ضرك حالا ولا مالا بإضلال ولا غيره (مِنْ شَيْءٍ) وهو وعد بدوام العصمة في الظاهر والباطن كآية المائدة أيضا وإن كانت هذه بسياقها ظاهرة في الباطن وتلك ظاهرة في الظاهر (وَأَنْزَلَ اللهُ) أي الذي له جميع العظمة (عَلَيْكَ) وأنت أعظم الخلق عصمة لأمتك (الْكِتابَ) أي الذي تقدم أول القصة الإشارة إلى كماله وجمعه لخيري الدارين (وَالْحِكْمَةَ) أي الفهم لجميع مقاصد الكتاب فتكون أفعالك وأفعال من تابعك فيه على أتم الأحوال ، فتظفروا بتحقيق العلم وإتقان العمل ، وعمم بقوله : (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) أي من المشكلات وغيرها غيبا وشهادة من أحوال الدين والدنيا (وَكانَ فَضْلُ اللهِ) أي المتوحد بكل كمال (عَلَيْكَ عَظِيماً) أي بغير ذلك من أمور لا تدخل تحت الحصر ، وهذا من أعظم الأدلة على أن العلم أشرف الفضائل.
ولما كان قوم طعمة قد ناجوا النبي صلىاللهعليهوسلم في الدفع عنه ، نبههم سبحانه وغيرهم على ما ينبغي أن يقع به التناجي ، ويحسن فيه التفاؤل والتجاذب على وجه ناه عن غيره أشد نهي بقوله سبحانه وتعالى : (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ) أي نجوى جميع المناجين (إِلَّا مَنْ) أي نجوى من (أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) ولما خص الصدقة لعزة المال في ذلك الحال ، عمم بقوله : (أَوْ مَعْرُوفٍ) أيّ معروف كان مما يبيحه الشرع من صدقة وغيرها.
ولما كان إصلاح ذات البين أمرا جليلا ، نبه على عظمه بتخصيصه بقوله : (أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) أي عامة ، فقد بين سبحانه وتعالى أن غير المستثنى من التناجي لا خير فيه ، وكل ما انتفى عنه الخير كان مجتنبا ـ كما روى أحمد والطبراني في الكبير بسند لا بأس به وهذا لفظه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلىاللهعليهوسلم «أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال : إنما الأمور ثلاثة : أمر تبين لك رشده فاتبعه ، وأمر تبين لك غيّه فاجتنبه ، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه» (١).
ولما كان التقدير : فمن أمر بشيء من ذلك فنجواه خير ، وله عليها أجر ؛ عطف عليه قوله : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) أي الأمر العظيم الذي أمر به من هذه الأشياء (ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ) الذي له صفات الكمال ، لأن العمل لا يكون له روح إلا بالنية (فَسَوْفَ
__________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ١٠٧٧٤ من حديث ابن عباس وقال الهيثمي في المجمع ١ / ١٥٧ : ورجاله موثقون.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
