الضمير في (فَلْيَكُونُوا) للجمع الذين منهم هذه الطائفة ـ المذكورين بطريق الإضمار في قوله (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ) وفي (فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ) أي فإذا سجد الذين قاموا معك في الصلاة فليكن المحدث عنهم وهم الباقون الذين أنت فيهم وهذه الطائفة منهم (مِنْ وَرائِكُمْ) فإذا أتمت هذه الطائفة صلاتها فلتذهب إلى الحراسة (وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى) أي من الجماعة (لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) كما صلت الطائفة الأولى ، فإن كانت الصلاة ثنائية ولم تصل بكل طائفة جميع الصلاة فلتسلم بالطائفة الثانية ، وإن كانت رباعية ولم تصل بكل فرقة جميع الصلاة فلتتم صلاتها ، ولتذهب إلى وجاه العدو ولتأت طائفة أخرى ـ هكذا حتى تتم الصلاة ؛ ويمكن أن يكون المراد بالسجود الصلاة ـ من إطلاق اسم الجزء على الكل ، فكأنه قال : فإذا صلوا ، أي أتموا صلاتهم ـ على ما مضت الإشارة إليه ، والضمير حينئذ في «فليكونوا» للطائفة الساجدة ، وقوله : (وَلْيَأْخُذُوا) يمكن أن يكون ضميره للكل ، لئلا يتوهم أن الأمر بذلك يختص بالمصلي ، لأن غيره لا عائق له عن الأخذ متى شاء ، أي ولتأخذ جميع الطوائف الحارسون والمصلون (حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) في حال صلاتهم وحراستهم وإتيانهم إلى الصلاة وانصرافهم منها ، فجعل الحذر الذي هو التيقظ والتحرز بإقبال الفكر على ما يمنع كيد العدو كالآلة المحسوسة ، وخص في استعماله في الصلاة في شأن العدو وخص آخر الصلاة بزيادة الحذر إشارة إلى أن العدو في أول الصلاة قلما يفطنون لكونهم في الصلاة بخلاف الآخر ، فلهذا خص بمزيد الحذر ، وهذا الكلام على وجازته محتمل ـ كما ترى ـ لجميع الكيفيات المذكورة في الفقه لصلاة الخوف إذا لم يكن العدو في وجه القبلة على أنها تحتمل التنزيل على ما إذا كان في وجه القبلة بأن يحمل الوراء على ما واراه السجود عنكم وإتيان الطائفة الأخرى على الإقبال على المتابعة للامام في الأفعال و (لَمْ يُصَلُّوا) أي بقيد المتابعة له فيها ـ والله سبحانه وتعالى الهادي. وما أحسن اتصال ذلك بأول آيات الجهاد في هذه السورة (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) [النساء : ٧١] فهو من رد المقطع على المطلع ، ثم علل أمره بهذه الكيفية على هذا الاحتياط والحزم بقوله مقويا لترغيبهم في ذلك بإقبال الخطاب عليهم : (وَدَّ) أي تمنى تمنيا عظيما (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي باشروا الكفر وقتا ما ، فكيف بمن هو غريق فيه (لَوْ تَغْفُلُونَ) أي تقع لكم غفلة في وقت ما (عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ).
ولما كانت القوة بالآلات مرهبة للعدو ومنكبة قال : (وَأَمْتِعَتِكُمْ) ولما كانت الغفلة ضعفا ظاهرا ، تسبب عنها قوله : (فَيَمِيلُونَ) وأشار إلى العلو والغلبة بقوله : (عَلَيْكُمْ) وأشار إلى سرعة الأخذ بقوله : (مَيْلَةً) وأكده بقوله : (واحِدَةً).
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
