الفعل المودود ـ ولم يسبب ـ قوله : (فَتَكُونُونَ) أي وودوا أن يتسبب عن ذلك ويتعقبه أن تكونوا أنتم وهم (سَواءً) أي في الضلال ، أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائما ، فأنتم ترجون في زمان الرفق بهم هدايتهم وهم يودون فيه كفركم وضلالكم ، فقد تباعدتم في المذاهب وتباينتم في المقاصد.
ولما أخبر بهذه الودادة ، سبب عنه أمرهم بالبراءة منهم حتى يصلحوا ، بيانا لأن قولهم في الإيمان لا يقبل ما لم يصدقوه بفعل فقال : (فَلا تَتَّخِذُوا) أي أيها المؤمنون (مِنْهُمْ أَوْلِياءَ) أي أقرباء منكم (حَتَّى يُهاجِرُوا) أي يوقعوا المهاجرة (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي يهجروا من خالفهم في ذات من لا شبه له ، ويتسببوا في هجرانه لهم إن كانوا في دار الحرب فبتركها ، وإن كانوا عندكم فبترك موادة الكفرة والموافقة لهم في أقوالهم وأفعالهم وإن كانوا أقرب أقربائهم ، وهجرتهم في جميع ذلك بمواصلتكم في جميع أقوالكم وأفعالكم ؛ والهجرة العامة هي ترك ما نهى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلىاللهعليهوسلم عنه.
ولما نهى عن موالاتهم وغيّي النهي بالهجرة ، سبب عنه قوله : (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي عن الهجرة المذكورة (فَخُذُوهُمْ) أي اقهروهم بالأسر وغيره (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) أي في حل أو حرم. ولما كانوا في هذه الحالة لا يوالون المؤمنين إلا تكلفا قال : (وَلا تَتَّخِذُوا) أي تتكلفوا أن تأخذوا (مِنْهُمْ وَلِيًّا) أي من تفعلون معه فعل المقارب المصافي (وَلا نَصِيراً) على أحد من أعدائكم ، بل جانبوهم مجانبة كلية.
ولما كان سبحانه وتعالى قد أمر فيهم على تقدير توليهم بما أمر ، استثنى منه فقال : (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ) فرارا منكم ، وهم من الكفار عند الجمهور (إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) أي عهد وثيق بأن لا تقاتلوهم ولا تقاتلوا من لجأ إليهم أو دخل فيما دخلوا فيه ، فكفوا حينئذ عن أخذهم وقتلهم (أَوْ) الذين (جاؤُكُمْ) حال كونهم (حَصِرَتْ) أي ضاقت وهابت وأحجمت (صُدُورُهُمْ أَنْ) أي عن أن (يُقاتِلُوكُمْ) أي لأجل دينهم وقومهم (أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ) أي لأجلكم فرارا أن يكفوا عن قتالكم وقتال قومهم فلا تأخذوهم ولا تقاتلوهم ، لأنهم كالمسالمين بترك القتال ، ولعله عبر بالماضي في «جاء» إشارة إلى أن شرط مساواتهم للواصلين إلى المعاهدين عدم التكرر ، فإن تكرر ذلك منهم فهم الآخرون الآتي حكمهم.
ولما كان التقدير : فلو شاء الله لجعلهم مع قومهم إلبا واحدا عليكم ، عطف عليه قوله : (وَلَوْ) أي يكون المعنى : والحال أنه لو (شاءَ اللهُ) أي وهو المتصف بكل كمال (لَسَلَّطَهُمْ) أي هؤلاء الواصلين والجائين على تلك الحال من الكفار (عَلَيْكُمْ) بنوع من أنواع التسليط ، تسليطا جاريا على الأسباب ومقتضى العوائد ، لأن بهم قوة على قتالكم (فَلَقاتَلُوكُمْ) أي فتسبب عن هذا التسليط أنهم قاتلوكم منفردين أو مع غيرهم من أعدائكم ، واللام فيه جواب «لو» على التكرير ، أو البدل من سلط.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
