ولما كان ذلك موجبا للإعراض عنهم رأسا ومنابذتهم قولا وفعلا ، بين سبحانه وتعالى أن التحية ليست من وادي الشفاعة ، وأن الشفاعة تابعة للعمل ، والتحية تابعة للظاهر ، فقال سبحانه وتعالى عاطفا على ما تقديره : فلا تشفعوا فيهم وأنتم تعلمون سوء مقاصدهم ، فقال معبرا بأداة التحقق بشارة لهم بأنهم يصيرون ـ بعد ما هم فيه الآن من النكد ـ ملوكا ، وفي حكم الملوك ، يحيون ويشفع عندهم ، وحثا على التواضع : (وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ) أي أي تحية كانت إذا كانت مشروعة ، وأصل التحية الملك ، واشتقاقها من الحياة ، فكأن حياة الملك هي الحياه ، وما عداها عدم ، ثم أطلقت على كل دعاء يبدأ به عند اللقاء ؛ وقال الأصبهاني : لفظ التحية صار كناية عن الإكرام ، فجميع أنواع الإكرام تدخل تحت لفظ التحية (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها) كأن تزيدوا عليها (أَوْ رُدُّوها) أي من غير زيادة ولا نقص ، وذلك دال على وجوب رد السّلام ـ من الأمر ، وعلى الفور ـ من الفاء والإجماع موافق لذلك ، وترك الجواب إهانة ، والإهانة ضرر ، والضرر حرام ؛ قال الأصبهاني : والمبتدىء يقول : السّلام عليكم ، والمجيب يقول : وعليكم السّلام ، ليكون الافتتاح والاختتام بذكر الله سبحانه وتعالى. وما أحسن جعلها تالية لآية الجهاد إشارة إلى أن من بذل السّلام وجب الكف عنه ولو كان في الحرب ، على أن من مقتضيات هاتين الآيتين أن مبني هذه السورة على الندب إلى الإحسان والتعاطف والتواصل ، وسبب ذلك إما المال وقد تقدم الأمر به في قوله تعالى (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) [النساء : ٨] ، وإما غيره ومن أعظمه القول ، لأنه ترجمان القلب الذي به العطف ، ومن أعظم ذلك الشفاعة والتحية ، قال عليه الصلاة والسّلام فيما أخرجه مسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه «والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السّلام بينكم» (١) فناسب ذكر هاتين الآيتين بعد ذكر آية الجهاد المختتمة بالبأس والتنكيل.
ولما كانت الشفاعة أعظمها في الإحسان قدمت ولا سيما وموجبها الإعراض ، ومقصد السورة التواصل ، فشأنها أهم والنظر إليها آكد ، ثم رغب في الإحسان في الرد ، ورهب من تركه بقوله معللا : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الإحاطة علما وقدرة (كانَ) أي أزلا وأبدا (عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) أي محصيا لجميع المتعددات دقيقها وجليلها ، كافيا لها في أقواتها ومثوباتها ، محاسبا بها ، مجازيا عليها ، وذلك كله شأن المقيت ؛ ثم
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري في الأدب المفرد ٢٦٠ و ٩٨٠ ومسلم ٥٤ وأبو داود ٥١٩٣ والترمذي ٢٦٨٨ وابن ماجه ٦٨ و ٣٦٩٢ والبغوي ٣٣٠٠ وابن حبان ٢٣٦ وأحمد ٢ / ٤٤٢ و ٤٧٧ كلهم من حديث أبي هريرة.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
