ولما كان ذلك جمعا ناسب التشديد المراد به الكثرة في (مُشَيَّدَةٍ) أي مطولة ، كل واحد منها شاهق في الهواء منيع ، وهو مع ذلك مطلي بالشيد أي بالجص ، فلا خلل فيه أصلا ، ويجوز أن يراد بالتشيد مجرد الإتقان ، يعني أنها مبالغ في تحصينها ـ لأن السياق أيضا يقتضيه ، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يكون في الجهاد الذي يستعقب السعادة الأبدية أولى من أن يكون في غيره.
ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في قوله : (رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ) [النساء : ٧٧] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين ، ويجوز أن يقال : إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالا لهم مبكتا به لمن توانى في أمره ، مؤذنا بالالتفات إلى الغيبة إعراضا عن خطابهم ببعض غضب ، لأنهم جمعوا إلى الإخلال بتعظيمهم لله تعالى الإخلال بالأدب مع الرسول صلىاللهعليهوسلم الذي أرسله ليطاع بإذن الله فقال : (وَإِنْ) أي قالوا ذلك والحال أنه إن (تُصِبْهُمْ) أي بعض المدعوّين من الأمة ، وهم من كان في قلبه مرض (حَسَنَةٌ) أي شيء يعجبهم ، ويحسن وقعه عندهم من أي شيء كان (يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ) أي الذي له الأمر كله ، لا دخل لك فيها (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أي حالة تسوءهم من أي جهة كانت (يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) أي من جهة حلولك في هذا البلد تطيرا بك.
ولما كان هذا أمرا فادحا ، وللفؤاد محرقا وقادحا ، سهل عليه بقوله : (قُلْ كُلٌ) أي من السيئة والحسنة في الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية (مِنْ عِنْدِ اللهِ) أي الذي له كل شيء ، ولا شيء لغيره ، وذلك كما قالوا لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار رضي الله تعالى عنه عند ما هاجر النبي صلىاللهعليهوسلم ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم ـ كما في السيرة ـ : «بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب! يقولون : لو كان نبيا لم يمت صاحبه ، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا» (١).
__________________
(١) حسن لشاهده : أخرجه ابن هشام في سيرته ٢ / ٩٣ ، ٩٤ من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة به ...
وأخرجه أحمد ٤ / ١٣٨ عن أبي أمامة بن سهل أخبر عن أبي أمامة سعد بن زرارة ... فذكره بنحوه وأخرجه أيضا الطبراني ٥٥٨٣ وزاد في إسناده (عن أبيه)
ـ قال الهيثمي في المجمع ٥ / ٩٨ : رواه أحمد وفيه زمعة بن صالح وهو ضعيف وقال ابن معين مرة : صويلح ، وقد وافق الناس في تضعيفه وقال الهيثمي : زمعة ضعفه الجمهور ، ووثقه ابن معين في رواية وضعفه في غيرها ا ه.
ـ وأخرجه الطبراني في الكبير ٥٥٨٤ من حديث سهل بن حنيف وكذا عبد الرزاق ١٩٥١٥ وقال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ا ه فالحديث حسن بشاهده.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
