فأمهم علي رضي الله تعالى عنه في المغرب وقرأ (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) [الكافرون : ١] فنزلت» (١) هكذا رواه ، وقد رواه أصحاب السنن الثلاثة وأحمد وعبد بن حميد والبزار والحاكم والطبري ، فبينوا المراد ، وهو أن الذي صلى بهم قرأ : أعبد ما تعبدون ، وفي رواية الترمذي : ونحن نعبد ما تعبدون.
ولما أفهم النهي عن قربانها في هذا الحال زواله بانقضائه ، صرح به في قوله : (حَتَّى) أي ولا يزال هذا النهي قائما حتى (تَعْلَمُوا) بزوال السكر (ما تَقُولُونَ) فلا يقع منكم حينئذ تبديل ؛ وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه أن المراد بالصلاة نفسها وموضعها وهو المسجد ، وذلك من أدلته على استعمال الشيء في حقيقته ومجازه ؛ نهى السكران أن يصلي إلى أن يفهم ، أي يصحو ، ونهى كل واحد أن يكون في المسجد وهو جنب بقوله عطفا على محل (وَأَنْتُمْ سُكارى : وَلا) أي ولا تقربوا الصلاة بالكون في محالها فضلا عنها (جُنُباً) أي ممنين بالفعل أو القوة القريبة منه بالتقاء الختانين ، لأن الجنابة المني سواء كان عن جماع أو لا في حال من أحوال الجنابة (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) أي مارين مرورا من غير مكث ولا صلاة ؛ ولما غيّى منع الجنابة بقوله : (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) أي تغسلوا البدن عمدا ، ولما كان للإنسان حالات يتعسر أو يتعذر فيها عليه استعمال الماء ؛ ذكرها فقال مرتبا لها على الأحوج إلى الرخصة فالأحوج : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى) أي بجراحة أو غيرها مرضا يمنع من طلب الماء أو استعماله (أَوْ عَلى سَفَرٍ) كذلك سواء كان السفر طويلا أو قصيرا (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ) أي أيها المؤمنون! ولو كان حاضرا صحيحا (مِنَ الْغائِطِ) أي المكان المطمئن من الأرض الواسع الذي يقصد للتخلي ، أي : أو جاء من التخلي فقضى حاجته التي لا بد له منها ، فهو بها أحوج إلى التخفيف مما بعده.
ولما تقدم أمر الجنابة التي هي المني أعم من أن تكون بجماع أو غيره ، ذكر هنا ما يعمها وغيرها من وجه فقال : (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) أي بمجرد التقاء البشرتين أو بالجماع سواء حصل إنزال أو لا ، وأخر هذا لأنه مما منه بد ، ولا يتكرر تكرر قضاء الحاجة (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً) أي إما بفقده أو بالعجز عن استعماله (فَتَيَمَّمُوا) أي اقصدوا قصدا صادقا بأن تلابسوا ناوين (صَعِيداً) أي ترابا (طَيِّباً) أي طهورا خالصا فهو بحيث
__________________
(١) حسن. أخرجه أبو داود ٣٦٧١ والترمذي ٣٠٢٦ والنسائي في الكبرى ١١١٠٦ كلهم من علي بن أبي طالب به. وأخرجه الحاكم ٢ / ٣٠٧ من حديث علي أن الذي أمّهم في الصلاة رجل آخر قال الحاكم : وفي هذا الحديث فائدة كثيرة وهي أن الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين عليّ دون غيره وقد برأه الله منها فإنه راوي هذا الحديث فقط. وليس هو الذي وقع له ذلك.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
