وأعلاهما الإحسان ، فصار المأمور بذلك مخلصا في عبادته ؛ أمره بالإحسان في خلافته ، وبدأ بأولى الناس بذلك ، وهو من جعله سببا لإيجاده ، فقال ـ مشيرا إلى أنه لا يرضى له من ذلك إلا درجة الإحسان ، وإلى أن من أخلص له أغناه عن كل ما سواه ، فلا يزال منعما على من عداه ـ : (وَبِالْوالِدَيْنِ) أي وأحسنوا بهما (إِحْساناً) وكفى دلالة على تعظيم أمرهما جعل برهما قرين الأمر بتوحيده سبحانه.
ولما كان مبنى السورة على الصلة لا سيما لذي الرحم ، قال مفصلا لما ذكر أول السورة تأكيدا له : (وَبِذِي الْقُرْبى) لتأكد حقهم بمزيد قربهم ، ولاقتضاء هذه السورة مزيد الحث على التعاطف أعاد الجار ، ثم أتبع ذلك من تجب مراعاته لله ، أو لمعنى تفسد بالإخلال به ذات البين ، وبدأ بما لله لأنه إذا صح تبعه غيره فقال : (وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ) أي وإن لم تكن رحمهم معروفة ، وخصهم لضعفهم وقدم اليتيم لأنه أضعف ، لأنه لصغره يضعف عن دفع حاجته ورفعها إلى غيره (وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى) أي لأن له حقين (وَالْجارِ الْجُنُبِ) أي الذي لا قرابة له ، للبلوى بعشرته خوفا من بالغ مضرته «اللهم! إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة ، فإن جار البادية يتحول» (١)(وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) أي الملاصق المخالط في أمر من الأمور الموجبة لامتداد العشرة (وَابْنِ السَّبِيلِ) أي المسافر لغربته وقلة ناصره ووحشته (وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي من العبيد والإماء كذلك ، فإن الإحسان إليهم طاعة عظيمة «آخر ما تكلم به النبي صلىاللهعليهوسلم الصلاة وما ملكت أيمانكم» (٢).
__________________
(١) قال السيوطي في الدر المنثور ٢ / ٢٨٤ (النساء : ٦) : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم ..... فذكره. والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد ١١٧ والنسائي ٨ / ٢٧٤ وابن حبان ١٠٣٣ والحاكم ١ / ٥٣٢ وأحمد ٢ / ٣٤٦ كلهم من حديث أبي هريرة صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي وفي إسناده محمد بن عجلان صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة كما في التقريب. ـ وله شاهد من حديث عقبة بن عامر وفي آخره : «ومن جار السوء في دار المقامة». أخرجه الديلمي في الفردوس ١٨٧٣ والطبراني ١٧ / (٢٩٤) و (٨١٠) من طريقين. وذكره الهيثمي في المجمع ٧ / ٢٢٠ : وقال رجاله ثقات وذكره في ١٠ / ١٤٤ وقال : رجاله رجال الصحيح غير بشر بن ثابت البزار ، وهو ثقة.
(٢) صحيح لشواهده أخرجه أبو داود ٥١٥٦ وابن ماجه ٢٦٩٨ والبيهقي ٨ / ١١ وأحمد ١ / ٧٨ و ٩٠ كلهم من حديث علي وفي إسناده أم موسى : حديثها مستقيم ووثقها العجلي قاله الدارقطني كما في الميزان للذهبي وباقي رجاله ثقات. ـ قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٢ / ٥٥ : إسناده صحيح على شرط الصحيحين ا ه. ـ وورد من حديث أنس أخرجه ابن ماجه ٢٦٩٧ وأبو يعلى ٢٩٣٣ وابن سعد ٢ / ٢٥٣ وابن حبان ٦٦٠٥ والطحاوي ٤ / ٤٣٥ في المشكل وأحمد ٣ / ١١٧ والحاكم ٣ / ٥٧ قال البوصيري في مصباح الزجاجة : إسناده حسن لقصور أحمد بن المقدام عن درجة أهل الضبط وباقي رجاله على شرط الشيخين. ـ وورد من حديث أم سلمة أخرجه ابن ماجه ١٦٢٥ وابن سعد ٢ / ٢٥٤ والبغوي ٢٤١٥
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
