الإطلاق بكمال القدرة ونفوذ المشيئة ، فهو لا يحب الباغي ولا يقره على بغيه ، وقدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن ، وهو مع ذلك يعفو عمن عصاه وإن ملأ الأرض خطايا ـ إذا أطاعه ، ولا يؤاخذه بشيء مما فرط في حقه ، بل يبدل سيئاته حسنات ، فلو أخذكم بذنوبكم أهلككم ؛ فتخلقوا بما قدرتم عليه من صفاته لتنالوا جليل هباته ، وخافوا سطواته ، واحذروا عقوبته ، بما له من العلو والكبر.
ولما بين حال الوفاق وما خالطه من شيء من الأخلاق التي يقوم بإصلاحها الزوج ، أتبعه حال المباينة والشقاق المحوج إلى من ينصف أحدهما من الآخر فقال : (وَإِنْ خِفْتُمْ) أي أيها المتقون القادرون على الإصلاح من الولاة وغيرهم (شِقاقَ بَيْنِهِما) أي الزوجين المفهومين من السياق ، يكون كل واحد منهما في شق غير الشق الذي فيه الآخر ، ولا يكون ذلك إلا وأحدهما على باطل ، وأضاف الشقاق إلى البين ليفيد أن هذا العمل إنما يكون عند الخوف من شقاق خاص ، وهو أن يكون البين المضاف إليهما ـ وهو الذي يميز كل واحد منهما من الآخر ـ لا تمكن في العادة إزالته ليكونا شيئا واحدا كما كانا لا بين لهما ، وذلك بظن أنه لا صلاح في اجتماعهما (فَابْعَثُوا) أي إليهما للإصلاح بينهما بإنصاف المظلوم من الظالم (حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ) أي الزوج (وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها) أي الزوجة ، هذا أكمل لأن أهلهما أقرب إلى إزالة أسباب الشقاق من بينهما ، لأنهم أجدر بالإطلاع على بواطن أمورهما وعلى حقائق أحوالهما ، والزوجان أقرب إلى إطلاعهما إن كانا قريبين على ضمائرهما ، وأقرب إلى إخفاء ذلك عن الأجانب ؛ وفائدة الحكمين أن يخلو كل منهما بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال ليعرف وجه الصلاح.
ثم أجاب من كأنه قال : وماذا عسى أن يضيفا؟ بقوله : (إِنْ يُرِيدا) أي الحكمان (إِصْلاحاً) أي بينهما ، وكأنه نكره لأن الإخلاص ووجود الكمال قليل (يُوَفِّقِ اللهُ) الذي له الإحاطة بعلم الغيب والشهادة (بَيْنِهِما) أي الزوجين لأن صلاح النية أكبر معين على بلوغ المقاصد ، وهذا دال على أنه لا يكون شيء إلا بالله ، وأن الأسباب إنما هي محنة من الله ، يسعد بها من يباشرها ويعتمد على الله دونها ، ويشقى بها من يجعلها محط قصده ، فيعتمد عليها.
ولما كان المصلح قد يظن مفسدا لصدعه بمر الحق من غير مداراة ، والمفسد قد يعد مصلحا لما يرى منه من المداهنة والمراءاة والمكر ، فيظن من يخلف الوعد بالتوفيق غير ما في نفس الأمر ؛ قال تعالى مزيلا لهذا الوهم مرغبا ومرهبا : (إِنَّ اللهَ) أي المحيط بجميع صفات الكمال (كانَ عَلِيماً) أي مطلقا على ما يمكن الاطلاع عليه وإن
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
