بالمحكم لا يصلح الترامي إلى شيء من الخوض في المتشابه لأحد من أهل العلم والإيمان أهل الدرجات ، لأن الله سبحانه وتعالى جبل الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم ومن أحوالهم ، وأوقفهم عن إدراك ما هو راجع إليه ، فأمر الله وتجلياته لا تنال إلا بعناية منه ، يزج العبد زجه يقطع به الحجب الظلمانية والنورانية التي فيها مواقف العلماء ؛ فليس في هذا الحرف المتشابه إلا أخذ لسانين : لسان وقفة عن حد الإيمان للراسخين في العلم المشتغلين بالاتصاف بالتذلل والتواضع والتقوى والبر الذي أمر صلىاللهعليهوسلم أن يتبع فيه حتى ينتهي العبد إلى أن يحبه الله ، فيرفع عنه عجز الوقفة عن المتشابه ، وينقذه من حجاب النورانية ، فلا يشكل عليه دقيق ولا يعييه خفي بما أحبه الله ، وما بين ذلك من خوض دون إنفاذ هذه العناية فنقص عن حد رتبة الإيمان والرسوخ في العلم ، فكل خائض فيه ناقص من حيث يحب أن يزيد ، فهو إما عجز إيماني من حيث الفطر الخلقي ، وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة ـ انتهى.
ولما ذكر سبحانه وتعالى اتباعهم له ذكر علته فقال : (ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) أي تمييل الناس عن عقائدهم بالشكوك (وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) أي ترجيعه إلى ما يشتهونه وتدعو إليه نفوسهم المائلة وأهويتهم الباطلة بادعاء أنه مآله. قال الحرالي : والابتغاء افتعال : تكلف البغي ، وهو شدة الطلب ، وجعله تعالى ابتغاءين لاختلاف وجهيه ، فجعل الأول فتنة لتعلقه بالغير وجعل الثاني تأويلا أي طلبا للمآل عنده ، لاقتصاره على نفسه ، فكان أهون الزيغين ـ انتهى.
ولما بين زيغهم بين أن نسبة خوضهم فيما لا يمكنهم علمه فقال : (وَما) أي والحال أنه ما (يَعْلَمُ) في الحال وعلى القطع (تَأْوِيلِهِ) قال الحرالي : هو ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده (إِلَّا اللهُ) أي المحيط قدرة وعلما ، قال : ولكل باد من الخلق مآل كما أن الآخرة مآل الدنيا (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ) [الأعراف : ٥٣] ولذلك كل يوم من أيام الآخرة مآل للذي قبله ، فيوم الخلود مآل يوم الجزاء ، ومآل الأبد مآل يوم الخلود ؛ وأبد الأبد مآل الأبد ، وكذلك كل الخلق له مآل من الأمر ، فأمر الله مآل خلقه وكذلك الأمر ، كل تنزيل أعلى منه مآل للتنزيل الأدنى إلى كمال الأمر ، وكل أمر الله مآل من أسمائه وتجلياته ، وكل تجل أجلى مآل لما دونه من تجل أخفى ، قال عليه الصلاة والسّلام : «فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونها ـ الحديث إلى قوله : أنت ربنا» (١) فكان تجليه الأظهر لهم مآل
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٥٧٣ ، ٧٤٣٧ ومسلم ١٨٢ والترمذي ٢٥٥٧ وابن حبان ٧٤٢٩ وابن أبي عاصم في السنة ٤٥٥ ، ٤٧٦ وعبد الله بن أحمد في السنة ٢٤١ ، ٢٤٢ والبغوي ٤٣٤٦ والطيالسي ــ ٢٣٨٣ والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٤٦٠ وأحمد ٢ / ٢٧٥ ، ٢٧٦ ، ٥٣٣ ، ٥٣٤ ، ٢٩٣ ، ٢٩٤ كلهم من حديث أبي هريرة.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
