وأصل العضل : التضييق ، يقال : عضلت الدجاجة بيضها ـ انتهى. والظاهر أن مدار مادته إنما هو على الاشتداد ، من عضلة الساق ، وهي اللحمة التي في باطنه ، ونقل عبد الحق أنها كل لحم اجتمع ، قال : وقال الخليل : كل لحمة اشتملت على عصبة ـ انتهى. وتارة يكون الاشتداد ناظرا إلى المنع ، وتارة إلى الغلبة والضيق ، ثم علل ذلك بقوله : (لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ) أي أنتم إن كن أزواجا لكم ، أو مورثوكم إن كن أزواجا لهم وعضلتموهن بعدهم ، ليذهب ذلك بسبب إنفاقهن له على أنفسهن في زمن العضل ، أو بسبب افتدائهن لأنفسهن به منكم ، ثم استثنى من تحريم العضل في جميع الحالات فقال : (إِلَّا أَنْ) أي لا تفعلوا ذلك لعلة من العلل إلا لعلة أن (يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ) أي فعلة زائدة القبح (مُبَيِّنَةٍ) أي بالشهود الأربعة إن كانت زنى فاعضلوهن بالإمساك في البيوت ـ كما مضى ـ لأن من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه ، أو بمن يقبل من الشهود إن كانت نشوزا وسوء عشرة ، فلكم العضل حينئذ إلى الصلاح أو الافتداء بما تطيب به النفس ، والأنسب لسياق الأمر في (وَعاشِرُوهُنَ) أن يكون (تَعْضُلُوهُنَ) منهيا ، لا معطوفا على (أَنْ تَرِثُوا بِالْمَعْرُوفِ) أي من القول والفعل بالمبيت والنفقة والموادة قبل الإتيان بالفاحشة (فَإِنْ) أي إن كنتم لا تكرهونهن فالأمر واضح ، وإن (كَرِهْتُمُوهُنَ) فلا تبادروا إلى المضاجرة أو المفارقة ، واصبروا عليهن نظرا لما هو الأصلح ، لا لمجرد الميل النفسي ، فإن الهوى شأنه أن لا يدعو إلى خير ثم دل على هذه العلة بقوله : (فَعَسى) ولوضوح دلالتها على ذلك صح جعلها جوابا للشرط (أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً) أي من الأزواج أو غيرها ، لم يقيده سبحانه تعميما تتميما للفائدة (وَيَجْعَلَ اللهُ) أي المحيط علما وقدرة ، وغيّب بحكمته علمكم العواقب لئلا تسكنوا إلى مألوف ، أو تنفروا من مكروه (فِيهِ خَيْراً كَثِيراً).
ولما نهى عن العضل تسببا إلى إذهاب بعض ما أعطيته المرأة أتبعه التصريح بالنهي عن أخذ شيء منه في غير الحالة التي أذن فيها في المضارة فقال : (وَإِنْ) أي إن لم تعضلوا المرأة ، بل (أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ) أي تنكحونها (مَكانَ زَوْجٍ) أي فارقتموها أو لا ، ولم يكن من قبلنا ما يبيح الضرار.
ولما كان المراد بزوج الجنس جمع في قوله : (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَ) أي إحدى النساء اللاتي وقع الإذن لكم في جمعهن في النكاح سواء كانت بدلا أو مستبدلا بها (قِنْطاراً) أي مالا جما (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) أي بالمضارة عن غير طيب نفس منها ، ولا سبب مباح ، ثم عظم أخذه باستفهام إنكار وتوبيخ فقال : (أَتَأْخُذُونَهُ) أي على ذلك الوجه ، ولما تقدم أن من صور الغصب على الافتداء حال الإتيان بالفاحشة شبه الأخذ في هذه
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
