ولما ختم ذلك بذكر توبة الزناة ، وكان الحامل على الزنى ـ على ما يقتضيه الطبع البشري ـ شدة الشبق وقلة النظر في العواقب ، وكان ذلك إنما هو في الشباب ؛ وصل بذلك قوله تعالى معرفا بوقت التوبة وشرطها مرغبا في تعجيلها مرهبا من تأخيرها : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ) وهي رجوع العبد عن المعصية اعتذارا إلى الله تعالى ، والمراد هنا قبولها ، سماه باسمها لأنها بدون القبول لا نفع لها ، فكأنه لا حقيقة لها.
ولما شبه قبوله لها بالواجب من حيث إنه أخبر بها ، لأنه لا يبدل القول لديه ؛ عبر بحرف الاستعلاء المؤذن بالوجوب حثا عليها وترغيبا فيها فقال : (عَلَى اللهِ) أي الجامع بصفات الكمال (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ) أيّ سوء كان من فسق أو كفر ، وقال : (بِجَهالَةٍ) إشارة إلى شدة قبح العصيان ، لا سيما الزنى من المشايخ ، لإشعار السياق ترهيبا بأن الأمر فيهم ليس كذلك ـ كما صرح به النبي صلىاللهعليهوسلم فيما رواه البزار (١) بإسناد جيد عن سلمان رضي الله عنه «ثلاثة لا يدخلون الجنة : الشيخ الزاني ، والإمام الكذاب ، والعائل المزهو» (٢)(٣) وهو في مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر» (٤) وهو عن كثير من الصحابة من طرق كثيرة ، وذلك لأن حضور الموت بالقوة القريبة من الفعل وإضعاف القوى الموهنة لداعية الشهوة قريب من حضوره بالفعل ، وذلك ينبغي أن يكون مذهبا لداعية الجهل ، ما حقا لعرامة الشباب ، سواء قلنا : إن المراد بالجهالة ضد الحلم ، أو ضد العلم ؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي : قال أبو عبد الله ـ يعني القزاز : والجاهلية الجهلاء اسم وقع على أهل الشرك يكون مأخوذا من الجهل الذي هو ضد العلم والذي هو ضد الحلم ، قال : وأصل الجهل من قولهم : استجهلت الريح الغصن ـ إذا حركته ، فكأن الجهل إنما هو حركة تخرج عن الحق والعلم ـ انتهى. فالمعنى حينئذ : يعملون السوء ملتبسين بسفه أو بحركة وخفة
__________________
(١) هو الإمام العالم أبو بكر أحمد بن عمرو البزار صاحب المسند الكبير المتوفى سنة ٢٩٢ بالرملة. وهو غير البزار محمد بن الصباح صاحب السنن فهذا الأخير متقدم عليه توفي سنة ٢٢٧ وهو من شيوخ أحمد بن حنبل.
(٢) أي المتكبر.
(٣) جيد. أخرجه البزار كما في المجمع ٦ / ٢٥٥ من حديث سلمان وقال الهيتمي : رجاله رجال الصحيح غير العباس بن أبي طالب وهو ثقة ا ه.
قلت : وشاهده الآتي يقويه.
(٤) صحيح. أخرجه مسلم ١٠٧ والنسائي ٥ / ٨٦ وأحمد ٢ / ٤٣٣ وابن حبان ٤٤١٣ والبيهقي ٨ / ١٦١ والبغوي ٣٥٩١ كلهم من حديث أبي هريرة. وله شواهد كثيرة.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
