البنوة ؛ أكدها بما يقتضيه حالها ، فجعلها في قصتين ، ذكر إحداهما هنا إدخالا لها في حكم الوصية المفروضة ، وختم بالأخرى السورة لأن الختام من مظنات الاهتمام.
ولما كانت قرابة الأم أضعف من قرابة الأب قدمها هنا دلالة على الاهتمام بشأنها ، وأن ما كانوا يفعلونه من حرمان الإناث خطأ وجور عن منهاج العدل ، فقال تعالى : (وَإِنْ كانَ) أي وجد (رَجُلٌ يُورَثُ) أي من ورث حال كونه (كَلالَةً) أي ذا حالة لا ولد له فيها ولا والد ، أو يكون يورث من : أورث ـ بمعنى أن إرث الوارث بواسطة من مات كذلك : لا هو ولد للميت ولا والد ، ووارثه أيضا كلالة لأنه ليس بوالد ولا ولد ، فالمورث كلالة وارثه ، والوارث كلالة مورثه ؛ قال الأصبهاني : رجل كلالة ، وامرأة كلالة ، وقوم كلالة ، لا يثنى ولا يجمع ، لأنه مصدر كالدلالة والوكالة ، وهو بمعنى الكلال ، وهو ذهاب القوة من الإعياء ، وقد تطلق الكلالة على القرابة من غير جهة الولد والوالد ، ومنه قولهم : ما ورث المجد عن كلالة (أَوْ) وجدت (امْرَأَةٌ) أي تورث كذلك ، ويجوز أن يكون (يُورَثُ) صفة ، و (كَلالَةً) خبر كان (وَلَهُ) أي للمذكور وهو الموروث على أي الحالتين كان.
ولما كان الإدلاء بمحض الأنوثة يستوي بين الذكر والأنثى لضعفها قال (أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) أي من الأم ـ بإجماع المفسرين ، وهي قراءة أبيّ وسعد بن مالك رضي الله عنهما (فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) أي من تركته ، من غير فضل للذكر على الأنثى.
ولما أفهم ذلك ـ أي بتحويل العبارة المذكورة من أن يقال : فله السدس ـ أنهما إن كانا معا كان لهما الثلث ، وكان ذلك قد يفهم أنه إن زاد وارثه زاد الإرث عن الثلث نفاه بقوله : (فَإِنْ كانُوا) أي ما أفهمه (أخ أو أخت) من الوراث منهم (أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ) أي واحد ، كيف كانوا (فَهُمْ شُرَكاءُ) أي بالسوية (فِي الثُّلُثِ) أي المجتمع من السدسين اللذين تقدم أنهما بينهما ، لا يزادون على ذلك شيئا ، ثم كرر الحث على مصلحة الميت بيانا للاهتمام بها فقال : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ).
ولما كان الميت قد يضار ورثته ، أو بعضهم بشيء يخرجه عنهم ظاهرا أو باطنا كأن يقر بماله لأجنبي ، أو بدين لا حقيقة له ، أو بدين كان له بأنه استوفاه ؛ ختم الآية بالزجر عن ذلك بقوله : (غَيْرَ مُضَارٍّ) مع ما تقدم من الإشارة إلى ذلك أول القصة بقوله (لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) [النساء : ١١] ؛ قال الأصبهاني : والإضرار في الوصية من الكبائر. ثم أكد ذلك بقوله مصدرا ليوصيكم : (وَصِيَّةً مِنَ اللهِ) أي الذي له الأمر كله مع تأكيده بجميع ما في الآيات تعظيما للأمر باكتناف الوصية بأولها وآخرها ، وهو دون الفريضة في حق الأولاد ، لأن حقهم آكد.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
