الله القزاز (١) في ديوانه : وأصله ـ أي النحل : إعطاء الشيء لا يراد به عوض وكذا إن قلنا : معنى النحلة الديانة والملة والشرعة والمذهب ، أي آتوهن ذلك ديانة.
ولما وقع الأمر بذلك كان ربما أبى المتخلق بالإسلام قبول ما تسمح به المرأة منه بإبراء أو رد على سبيل الهبة ـ لظنه أن ذلك لا يجوز أو غير ذلك فقال : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ) أي متجاوزات (عَنْ شَيْءٍ) ووحّد الضمير ليرجع إلى الصداق المفهوم من الصدقات ، ولم يقل : منها ، لئلا يظن أن الموهوب لا يجوز إلا إن كان صداقا كاملا فقال : (مِنْهُ) أي الصداق (نَفْساً) أي عن شهوة صادقة من غير إكراه ولا خديعة (فَكُلُوهُ) أي تصرفوا فيه بكل تصرف يخصكم (هَنِيئاً) أي سائغا صالحا لذيذا في عافية بلا مشقة ولا مضرة (مَرِيئاً) أي جيد المغبة بهجا سارا ، لا تنغيص فيه ، وربما كان التبعيض ندبا إلى التعفف عن قبول الكل ، لأنه في الغالب لا يكون إلا عن خداع أو ضجر فربما أعقب الندم ، وهذا الكلام يدل أيضا على تخصيص الأحرار دون العبيد ، لأنهم لا يملكون ما جعلته النساء لهم ليأكلوه هنيئا. قال الأصبهاني : فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة علم أنها لم تطب نفسها ، وعن الشعبي أن رجلا أتى مع امرأته شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع ، فقال شريح : رد عليها ، فقال الرجل : أليس قد قال الله تعالى : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ) [النساء : ٤] قال : لو طابت نفسها لما رجعت فيه ؛ وعنه قال : أقيلها فيما وهبت ولا أقيله ، لأنهن يخدعن.
ولما أمر بدفع أموال اليتامى والنساء إليهم ، ونهى عن أكل شيء منها تزهيدا في المال واستهانة به ، وكان في النساء والمحاجير من الأيتام وغيرهم سفهاء ، وأمر بالاقتصاد في المعيشة حذرا من الظلم والحاجة نهى عن التبذير ، وقد حث سبحانه على حسن رعاية المال في غير آية من كتابه لأنه «نعم المال الصالح للرجل الصالح» رواه أحمد وابن منيع عن عمرو بن العاص رفعه ؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل ما يهمه من الدنيا ، وما لم يتمكن من تحصيل ما يهمه من الدنيا لا يمكنه أمر الآخرة ، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة ما يكفيه من المال ـ لأنه لا يتمكن في هذه الدار التي مبناها على الأسباب من جلب المنافع ودفع المضار إلا به ، فمن أراده لهذا الغرض كان من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرة ، ومن أراد لنفسه كان من أعظم المعوقات عن سعادة الآخرة فقال تعالى : (وَلا تُؤْتُوا) أيها الأزواج والأولياء (السُّفَهاءَ) أي من محاجيركم ونسائكم وغيرهم (أَمْوالَكُمُ) أي الأموال التي خلقها الله لعباده سواء كانت مختصة بكم أو بهم ، ولكم بها علقة بولاية أو غيرها ، فإنه
__________________
(١) تقدم ذكره.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
