داواه سبحانه بأن تلا تبشير المجاهدين بإنذار الكفار المنافقين والمصارحين الذين أملى لهم بخذلانهم المؤمنين بالرجوع عن قتال أحد وغيره من أسباب الإملاء على وجه يصدق ما تقدم أول السورة من الوعد بأنهم سيغلبون ، وأن أموالهم إنما هي صورة ، لا حقائق لها ، عطفا لآخرها على أولها ، وتأكيدا لاستجابة دعاء أوليائه آخر التي قبلها بقوله مخاطبا لأشرف عباده ، والمراد من يمكن ذلك عادة فيه ، لأن خطاب الرئيس أمكن في خطاب الأتباع ـ (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ) أي لا تغترر بتصرف (الَّذِينَ كَفَرُوا) تصرف من يقلب الأمور بالنظر في عواقبها لسلامتهم في تصرفهم وفوائدهم وجودة ما يقصدونه في الظاهر كجودة القلب في البدن (فِي الْبِلادِ) فإن تقلبهم (مَتاعٌ قَلِيلٌ) أي لا يعبأ به ذو همة علية ، وعبر بأداة التراخي إشارة إلى أن تمتيعهم ـ وإن فرض أنه طال زمانه وعلا شأنه ـ تافه لزواله ثم عاقبته ، وإلى هول تلك العاقبة وتناهي عظمتها ، فقال : (ثُمَّ مَأْواهُمْ) أي بعد التراخي إن قدر (جَهَنَّمُ) أي الكريهة المنظر الشديدة الأهوال ، العظيمة الأوجال ، لا مهاد لهم غيرها (وَبِئْسَ الْمِهادُ) أي الفراش الذي يوطأ ويسهل للراحة والهدوء.
ولما بين بآية المهاجرين أن النافع من الإيمان هو الموجب للثبات عند الامتحان. وكانت تلك الشروط قد لا توجد ، ذكر وصف التقوى العام للأفراد الموجب للإسعاد ، فعقب تهديد الكافرين بما لأضدادهم المتقين الفائزين بما تقدم الدعاء إليه بقوله تعالى : (قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ) [آل عمران : ١٥] فقال تعالى : (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) أي أوقعوا الاتصاف بالتقوى بالائتمار بما أمرهم به المحسن إليهم والانتهاء عما نهاهم شكرا لإحسانه وخوفا من عظم شأنه (لَهُمْ جَنَّاتٌ) وألى جنات ، ثم وصفها بقوله : (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) تعريفا بدوام تنوعها وزهرتها وعظيم بهجتها.
ولما وصفها بضد ما عليه النار وصف تقلبهم فيها بضد ما عليه الكفار من كونهم في ضيافة الكريم الغفار فقال : (خالِدِينَ فِيها) ولما كان النزل ما يعد للضيف عند نزوله قال معظما ما لمن يرضيه : (نُزُلاً) ولما كان الشيء يشرف بشرف من هو من عنده نبه على عظمته بقوله : (مِنْ عِنْدِ اللهِ) مضيفا إلى الاسم الأعظم ، وأشار بجعل الجنات كلها نزلا إلى التعريف بعظيم ما لهم بعد ذلك عنده سبحانه من النعيم الذي لا يمكن الآدميين وجه الاطلاع على حقيقة وصفه ، ولهذا قال معظما ـ لأنه لو أضمر لظن الاختصاص بالنزل ـ (وَما عِنْدَ اللهِ) أي الملك الأعظم من النزل وغيره (خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) مما فيه الكفار ومن كل ما يمكن أن يخطر بالبال من النعيم.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
