الإيمان بأن تقبل منا الإيمان فلا تزيغ قلوبنا ، فيكون جابّا لما قبله عندك كما كان جابّا له في ظاهر الشرع ، وكذا ما فرط منا بعد الإيمان ولو كان بغير توبة ، وإليه الإشارة بقولهم : (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا) أي بأن توفقنا بعد تشريفك لنا بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل الطاعات المكفرة للصغائر (وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ) أي ليس لنا سيئات.
ولما كان الله سبحانه وتعالى هو المالك التام الملك ، فهو ذو التصرف المطلق الذي لا يجب عليه شيء ، ولا يقبح منه شيء ؛ أشار إلى ذلك بقوله ملقنا لهم مكررا صفة الإحسان تنبيها على مزيد الابتهال والتضرع والتخضع والتخشع : (رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا) ثم أشار إلى صدق هذا الوعد بحرف الاستعلاء الدال على الالتزام والوجوب فقال : (عَلى رُسُلِكَ) أي من إظهار الدين والنصر على الأعداء وحسن العاقبة وإيراث الجنة في مثل قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) [البقرة : ٢٥] وفي الدعاء بذلك إشارة إلى أنه لا يجب على الله سبحانه وتعالى شيء ولو تقدم به وعده الصادق وإن كنا نعتقد أنه لا يبدل القول لديه (وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي بالمؤاخذة بالسيئات ، ثم أرشدهم إلى الإلهاب والتهييج مع التنبيه على ما نبه عليه أولا من أنه لا يجب عليه شيء بقوله باسطا لهم بلذة المنادمة بالمخاطبة : (إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ.)
ولما تسبب عن هذا الدعاء الإجابة لتكمل شروطه وهي استحضار عظمته تعالى بعد معرفته بالدليل وإدامة ذكره والتفكر في بدائع صنعه وافتتحاحه بالثناء عليه سبحانه وتنزيهه والإخلاص في سؤاله قال : (فَاسْتَجابَ) أي فأوجد الإجابة حتما (لَهُمْ) قال الأصفهاني : وعن جعفر الصادق : من حزبه أمر فقال خمس مرات «ربنا» أنجاه الله مما يخاف ، وأعطاه ما أراد ـ وقرأ هذه الآية. وأشار إلى أنها من منّه وفضله بقوله : (رَبُّهُمْ) أي المحسن إليهم المتفضل عليهم (أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ) كائنا من كان (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) وقوله معللا : (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) التفات إلى قوله سبحانه (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ) [آل عمران : ٥٩] الناظر إلى قوله (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) [آل عمران : ٣٤] المفتتح بأن الله سبحانه وتعالى (اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً) [آل عمران : ٣٣] المنادي بأن البشر كلهم في العبودية للواحد ـ الذي ليس كمثله شيء الحي القيوم ـ سواء من غير تفاوت في ذلك أصلا ، والمراد أنهم إذا كانوا مثلهم في النسب فهم مثلهم في الأجر على العمل.
ولما أقر أعينهم بالإجابة ، وكان قد تقدم ذكر الأنصار عموما في قوله : (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ـ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) [آل
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
