وما تبعها إلى أن ختمت بعد الوعظ بتحتم الموت الذي فر من فر منهم منه وخوّف الباقين أمره بمثل ما تقدم أن جعلها دليلا عليه من بغض أهل الكتاب وما تبعه ؛ عطف على «إذا» المقدرة لعطف (وَإِذْ غَدَوْتَ) [آل عمران : ١٢١] عليها ـ قوله : (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ) أي اذكروا ذلك يدلكم على عداوتهم ، واذكروا ما صح عندكم من إخبار الله تعالى المشاهد بإخبار من أسلم من الأحبار والقسيسين أن الله أخذ (مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي من اليهود والنصارى بما أكد في كتبه وعلى ألسنة رسله : (ليبيننه) أي الكتاب (لِلنَّاسِ وَلا) يكتمونه أي نصيحة منهم لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلىاللهعليهوسلم ولأئمة المؤمنين وعامتهم ليؤمنوا بالنبي المبشر به (فَنَبَذُوهُ) أي الميثاق بنبذ الكتاب (وَراءَ ظُهُورِهِمْ) حسدا لكم وبغضا ، وهو تمثيل لتركهم العمل به ، لأن من ترك شيئا وراءه نسيه (وَاشْتَرَوْا بِهِ) ولما كان الثمن الذي اشتروه خسارة لا ربح فيه أصلا على العكس مما بذلوه على أنه ثمن ، وكان الثمن إذا نض زالت مظنة الربح منه عبر عنه بقوله : (ثَمَناً) وزاد في بيان سفههم بقوله : (قَلِيلاً) أي بالاستكثار من المال والاستئمار للرئاسة ، فكتموا ما عندهم من العلم بهذا النبي الكريم (فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ) أي لأنه مع فنائه أورثهم العار الدائم والنار الباقية ، وعبر عن هذا الأخذ بالشراء إعلاما بلجاجهم فيه ، ونبه بصيغة الافتعال على مبالغتهم في اللجاج.
ولما أخبر سبحانه وتعالى بأنهم احتووا على المال والجاه بما كتموا من العلم وأظهروا من خلافه المتضمن لمحبة أهل دينهم فيهم وثنائهم عليهم بأنهم على الدين الصحيح وأنهم أهل العلم ، فهم أهل الاقتداء بهم ؛ قال سبحانه وتعالى مخبرا عن مآلهم تحذيرا من مثل حالهم على وجه يعم كل امرىء : (لا تَحْسَبَنَ) على قراءة الجماعة بالغيب (الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا) أي مما يخالف ظاهره باطنه. وتوصلوا به إلى الأغراض الدنيوية من الأموال والرئاسة وغير ذلك ، أي لا يحسبن أنفسهم ، وفي قراءة الكوفيين ويعقوب بالخطاب المعنى : لا تحسبنهم أيها الناظر لمكرهم ورواجهم بسببه في الدنيا واصلين إلى خير (وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا) أي ويجد الثناء بالوصف الجميل عليهم (بِما لَمْ يَفْعَلُوا) أي بذلك الباطن الذي لم يفعلوه ، قال ابن هشام في السيرة : أن يقول الناس : علماء ، وليسوا بأهل علم ، لم يتحملوهم على هدى ولا حق.
ولما تسبب عن ذلك العلم بهلاكهم قال : (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) أي تحسبن أنفسهم ، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب وضم الباء وعلى قراءة الجماعة المعنى : لا تحسبنهم أيها الناظر (بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ) بل هم بمهلكة منه (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ).
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
