فأخبر أن البلاء لم ينقص به ، بل لا بد بعده من بلايا وسماع أذى من سائر الكفار ، ورغب في شعار المتقين : الصبر الذي قدمه في أول السورة ثم قبل قصة أحد ، وبناها عليه معلما أنه مما يستحق أن يعزم عليه ولا يتردد فيه فقال : (وَلَتَسْمَعُنَ) أي بعد هذا اليوم (مِنَ الَّذِينَ) ولما كان المراد تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه المعلم عن الذكر فبنى للمفعول قوله : (أُوتُوا الْكِتابَ) ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن الماضي أدخل الجار فقال : (مِنْ قَبْلِكُمْ) أي من اليهود والنصارى (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي من الأميين (أَذىً كَثِيراً) أي من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة أو غيرها (وَإِنْ تَصْبِرُوا) أي تتخلقوا بالصبر على ذلك وغيره (وَتَتَّقُوا) أي وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير من أجوبتهم اعتمادا على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف (فَإِنَّ ذلِكَ) أي الأمر العالي الرتبة (مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها ، ولا يتردد فيه ، ولا يعوق عنه عائق ، فقد ختمت قصة أحد بمثل ما سبقت دليلا عليه من قوله : (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) [آل عمران : ١١٨] إلى أن ختم بقوله : (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) [آل عمران : ١٢٠] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور.
ولما قدم سبحانه وتعالى في أوائل قصص اليهود أنه أخذ على النبيين الميثاق بما أخذ ، وأخبرهم أنه من تولى بعد ذلك فهو الفاسق ، ثم أخبر بقوله : (قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي) [آل عمران : ١٨٣] (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) [آل عمران : ١٨٤] أن النبيين وفوا بالعهد ، وأن كثيرا من أتباعهم خان ؛ ثنى هنا بالتذكير بذلك العهد على وجه يشمل العلماء بعد الإخبار بسماع الأذى المتضمن لنقضهم للعهد ، فكان التذكير بهذا الميثاق كالدليل على مضمون الآية التي قبلها ، وكأنه قيل : فاذكروا قولي لكم (لَتُبْلَوُنَ) واجعلوه نصب أعينكم لتوطنوا أنفسكم عليه ، فلا يشتد جزعكم بحلول ما يحل منه (وَ) اذكروا (إِذْ أَخَذَ اللهُ) الذي لا عظيم إلا هو (مِيثاقَ الَّذِينَ).
ولما كانت الخيانة من العالم أشنع ، وكان ذكر العلم دون تعيين المعلم كافيا في ذلك بنى للمجهول قوله : (أُوتُوا الْكِتابَ) أي في البيان ، فخافوا فما آذوا إلا أنفسهم ، وإذا آذوا أنفسهم بخيانة عهد الله سبحانه وتعالى كانوا في أذاكم أشد وإليه أسرع ، أو يكون التقدير : واذكروا ما أخبرتكم به عند ما أنزله بكم ، واصبروا لتفوزوا ، واذكروا إذ أخذ الله ميثاق من قبلكم فضيعوه كيلا تفعلوا فعلهم ، فيحل بكم ما حل بهم من الذل والصغار في الدنيا مع ما يدخر في الآخرة من عذاب النار.
هذا ما كان ظهر لي أولا ، ثم بان أن الذي لا معدل عنه أنه لما انقضت قصة أحد
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
