ولما كان من جملة مباني السورة الإنفاق ، وتقدم في غير آية مدح المتقين به وحثهم عليه ، وتقدم أن الكفار سارعوا في الكفر : أبو سفيان بالإنفاق في سبيل الشيطان على من يخذل الصحابة ، ونعيم أو عبد القيس بالسعي في ذلك. وكان المبادرون إلى الجهاد قد تضمن فعلهم السماح بما آتاهم الله من الأنفس والأموال ، وكان الله سبحانه وتعالى قد أخبر لما لهم عنده من الحياة التي هي خير من حياتهم التي أذهبوها في حبه ، والرزق الذي هو أفضل مما أنفقوا في سبيله ، ذم الله سبحانه وتعالى الباخلين بالأنفس والأموال في سبيل الله فقال رادا الخطاب إليه صلىاللهعليهوسلم لأنه أمكن لسروره وأوثق في إنجاز الوعد : (وَلا) تحسبن أي أنت يا خير البرية ـ هذا على قراءة حمزة ، وعند الباقين الفاعل الموصول في قوله : (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) أي عن الحقوق الشرعية (بِما آتاهُمُ اللهُ) أي بجلاله وعز كماله (مِنْ فَضْلِهِ) أي لا لاستحقاقهم له ببخلهم (هُوَ خَيْراً لَهُمْ) أي لتثمير المال بذلك (بَلْ هُوَ) أي البخل (شَرٌّ لَهُمْ) لأنهم مع جعل الله البخل متلفة لأموالهم (سَيُطَوَّقُونَ) أي بفعل من يأمره بذلك كائنا من كان بغاية السهولة عليه (ما بَخِلُوا بِهِ) أي يجعل لهم بوعد صادق لا خلف فيه بعد الإملاء لهم طوقا بأن يجعله شجاعا أي حية عظيمة مهولة ، تلزم الإنسان منهم ، محيطة بعنقه ، تضربه في جانبي وجهه (يَوْمَ الْقِيامَةِ) لأن الله سبحانه وتعالى يرثه منهم بعد أن كان خوّلهم (١) فيه ، فيجعله بسبب ذلك التخويل عذابا عليهم ، روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع ، له زبيبتان ، يطوقه يوم القيامة ، يأخذ بلهزمتيه ـ يعني بشدقيه ـ يقول : أنا مالك! أنا كنزك! ـ ثم تلا هذه الآية» (٢).
ولما كان هذا طلبا منهم للإنفاق ، وكان الطالب منا محتاجا إلى ما يطلبه ، وكان ذو المال إذا علم أنه ذاهب وأن ماله موروث عنه تصرف فيه ؛ أخبر تعالى بغناه على وجه يجرئهم على الإنفاق فقال عاطفا على ما تقديره : لأنه ثمرة كونه من فضله فلله كل ما في أيديهم : (وَلِلَّهِ) أي الذي له الكمال كله (مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي اللذين هذا مما فيهما ، بأن يعيد سبحانه وتعالى جميع الأحياء وإن أملى لهم ، ويفني سائر ما وهبهم من الأعراض ، ويكون هو الوارث لذلك كله.
__________________
(١) خوّله الله الشيء : ملّكه إياه ، والتخوّل : التعهد.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٤٥٦٥ و ١٤٠٣ والنسائي ٥ / ٣٩ ابن حبان ٣٢٥٨ والبيهقي ٤ / ٨١ وأحمد ٢ / ٢٧٩ كلهم من حديث أبي هريرة بألفاظ متقاربة.
ـ وورد بنحوه من حديث ثوبان أخرجه الطبراني ١٤٠٨ والحاكم ١ / ٣٨٨ و ٣٨٩ والبزار ٨٨٢ وأبو نعيم ١ / ١٨١ وابن حبان ٣٢٥٧ صححه الحاكم على شرط مسلم وقال الذهبي : على شرطهما.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
