بما يفهمه بفهمه الثاقب من دقائق الإشارات وبواطن العبارات ، وقدم التزكية لاقتضاء مقام المعاتبة على الإقبال على الغنيمة ذلك ، كما مضى في سورة البقرة (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ) أي تلاوة بكونه من نوعهم يلذ لهم التلقي منه (وَالْحِكْمَةَ) تفسيرا وإبانة وتحريرا (وَإِنْ) أي والحال أنهم (كانُوا) ولما كانوا قد مرت لهم أزمان وهم على دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسّلام نبه على ذلك بإدخال الجار فقال (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل ذلك (لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي ظاهر ، وهو من شدة ظهوره كالذي ينادي على نفسه بإيضاح لبسه ، وفي ذلك إشارة إلى أنه عليهالسلام علمهم من الحكمة في هذه الوقعة ما أوجب نصرتهم في أول النهار ، فلما خالفوه حصل الخذلان. ولما أزال شبهة النسبة إلى الغلول بحذافيرها. وأثبت ما له من أضدادها من معالي الشيم وشمائل الكرم صوب إلى شبهة قولهم : لو كان رسولا ما انهزم أصحابه عنه ، فقال تعالى : (أَوَلَمَّا) أي أتركتم ما أرشدكم إليه الرسول الكريم الحليم العليم الحكيم ولما (أَصابَتْكُمْ) أي في هذا اليوم (مُصِيبَةٌ) لمخالفتكم لأمره وإعراضكم عن إرشاده (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها) أي في بدر وأنتم في لقاء العدو وكأنما تساقون إلى الموت على الضد مما كنتم فيه في هذه الغزوة ، وما كان ذلك إلا بامتثالكم لأمره وقبولكم لنصحه (قُلْتُمْ أَنَّى) من أين وكيف أصابنا (هذا) أي بعد وعدنا النصر (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) أي لأن الوعد كان مقيدا بالصبر والتقوى ، وقد تركتم المركز وأقبلتم على الغنائم قبل الأمر به ، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن ذلك باختيارهم الفداء يوم بدر الذي نزل فيه (لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) [الأنفال : ٦٨] وأباح لهم سبحانه وتعالى الفداء بعد أن عاتبهم وشرط عليهم إن اختاروه أن يقتل منهم في العام المقبل بعدّ الأسرى ، فرضوا وقالوا : نستعين بما نأخذه منهم عليهم ثم نرزق الشهادة. ثم علل ذلك بقوله : (إِنَّ اللهَ) أي الذي لا كفوء له (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) أي من النصر والخذلان ونصب أسباب كل منهما (قَدِيرٌ) وقد وعدكم بذلك سبحانه وتعالى في العام الماضي حين خيركم فاخترتم الفداء ، وخالف من خالف منكم الآن ، فكان ذكر المصيبة التي كان سببها مخالفة ما رتبه صلىاللهعليهوسلم بعد ختم الآية التي قبلها بالتذكير بما كانوا عليه من الضلال على ما ترى من البلاغة.
ولما كانت نسبة المصيبة إليهم ربما أوهمت من لم ترسخ قدمه في المعارف الإلهية أن بعض الأفعال خارج عما مراده تعالى قال : (وَما أَصابَكُمْ) ولما استغرقت الحرب ذلك اليوم نزع الجار فقال : (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) أي حزب الله وحزب الشيطان في أحد (فَبِإِذْنِ اللهِ) أي بتمكين من له العظمة الكاملة وقضائه ، وإثبات أن ذلك بإذنه نحو ما ذكر عند التولية يوم التقى الجمعان من نسبة الإحياء والإماتة إليه.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
