كل جميل ولذلك رفع منزلتهم ولم يجعل ثوابهم بعضا ، كما فعل بمن عبد لإرادة الثواب فقال : (نُؤْتِهِ مِنْها) [آل عمران : ١٤٥] فقد بان أن هذه الآية منعطفة على ما أمر به الصحابة رضي الله عنهم على طريقة اللف والنشر المشوش ، فنفي الوهن تعريض بمن أشير إليه في آية (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) [آل عمران : ١٤٣] ومحبة الصابرين تعريض بمن لم يصبر ، وقوله : (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران : ١٤٢] ونحو ذلك والثناء على قولهم حث على مثل ما ندبهم إليه في قوله (ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) [آل عمران : ١٣٥] وثبات الإقدام إشارة إلى (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران : ١٣٩] وإلى أن ثبات القدم للنصر على أعداء الله كان شاغلا لهم عن الالتفات إلى غيره ، وتعريض بمن أقبل على الغنائم وترك طلب العدو لتمام النصر المشار إليهم بآية (وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها) [آل عمران : ١٤٥] وإيتاء الثواب ناظر إلى النهي عن الربا وما انتظم في سلكه وداناه ، وإلى الأمر بالمسارعة إلى الجنة وما والاه ، وإيماء إلى أن من فعل فعلهم نال ما نالوا ، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ، لأن علمه محيط ، وكرمه لا يحد ، وخزائنه لا تنفد ، بل لا تنقص ، ثم ختمها بما ختم به للحث على التخلق بأوصاف المتقين ؛ فقد اتضح بغير لبس أن المراد بهذه الآية ـ وهي الإخبار عن إيتائهم الثواب ـ التنبيه على أن أهم الأمور وأحقها بالبداءة التخلق بما وعظوا به قبل قص القصة ، ولا ريب أن في مدح من سواهم تهييجا زائدا لانبعاث نفوسهم وتحرك هممهم وتنبيه نشاطهم وثوران عزائمهم غيرة منهم أن يكون أحد ـ وهم خير أمة أخرجت للناس ـ أعلى همة وأقوى عزيمة وأشد شكيمة وأصلب عودا وأثبت عمودا وأربط جأشا وأذكر لله وأرغب فيما عنده وأزهد فيما أعرض عنه منهم.
ولما أمر سبحانه وتعالى بطاعته الموجبة للنصر والأجر وختم بمحبته للمحسنين ، حذر من طاعة الكافرين المقتضية للخذلان رغبة في موالاتهم ومناصرتهم فقال تعالى واصلا بالنداء في آية الربا : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان (إِنْ تُطِيعُوا) بخضوع واستئمان أو غيره (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي هذا الفريق منهم أو غيره (يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) بتعكيس أحوالكم إلى أن تصيروا مثلهم ظالمين كافرين (فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ) في جميع أموركم في الدارين ، فتكونوا في غاية البعد من أحوال المحسنين ، فتكونوا بمحل السخط من الله صغرة تحت أيدي الأعداء في الدنيا خالدين في العذاب في الأخرى ، وذلك ناظر إلى قوله تعالى أول ما حذر من مكر الكفار (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) [آل عمران : ١٠٠] ، وموضح أن جميع هذه الآيات شديد اتصال بعضها ببعض ـ والله الموفق.
ولما كان التقدير : فلا تطيعوهم ، إنهم ليسوا صالحين للولاية مطلقا ما دمتم
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
