عقول الخلق ، ولا تدركه أبصارهم ، وتعرف لهم فيما تعرف بمثل من أنفسهم ، فكأن المحكم للعمل والمتشابه لظهور العجز ، فكان لذلك حرف المحكم أثبت الحروف عملا ، وحرف المتشابه أثبت الحروف إيمانا ، واجتمعت على إقامته الكتب الثلاث ، واختلفت في الأربع اختلافا كثيرا فاختلف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها ، واتفق على محكمها ومتشابهها ـ انتهى. فبين سبحانه وتعالى بهذا أنه كما يفعل الأفعال المتشابهة ـ مثل تصوير عيسى عليه الصلاة والسّلام من غير نطفة ذكر ، مع إظهار الخوارق على يديه لتبين الراسخ في الدين من غيره ـ كذلك يقول الأقوال المتشابهة ، وأنه فعل في هذا الكتاب ما فعل في غيره من كتبه من تقسيم آياته إلى محكم ومتشابه ابتلاء لعباده ليبين فضل العلماء الراسخين الموقنين بأنه من عنده ، وأن كل ما كان من عند الله سبحانه وتعالى فلا اختلاف فيه في نفس الأمر ، لأن سبب الاختلاف الجهل أو العجز ، وهو سبحانه وتعالى متعال جده منزه قدره عن شيء من ذلك ، فبين فضلهم بأنهم يؤمنون به ، ولا يزالون يستنصرون منه سبحانه وتعالى فتح المنغلق وبيان المشكل حتى يفتحه عليهم بما يرده إلى المحكم ، وهذا على وجه يشير إلى المهمه الذي تاه فيه النصارى ، والتيه الذي ضلوا فيه عن المنهج ، واللج الذي أغرق جماعاتهم ، وهو المتشابه الذي منه أنهم زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسّلام كان يقول له القائل : يا رب! افعل لي كذا ـ ويسجد له ، فيقره على ذلك ويجيب سؤاله ، فدل ذلك على أنه إله ، ومنه إطلاقه على الله سبحانه وتعالى أبا وعلى نفسه أنه ابنه ، فابتغوا الفتنة فيه واعتقدوا الأبوة والبنوة على حقيقتهما ولم يردوا ذلك إلى المحكم الذي قاله لهم فأكثر منه ، كما أخبر عنه أصدق القائلين سبحانه وتعالى في الكتاب المتواتر الذي حفظه من التحريف والتبديل : (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت : ٤٢] ، وهو (إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) [مريم : ٣٠ ، ٣١] (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) [المائدة : ١١٧] (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) [مريم : ٥١] ، هذا مما ورد في كتابنا الذي لم يغيروا ما عندهم فإن كانوا قد بدلوه فقد بقي ـ ولله الحمد ـ منه في الأناجيل الأربعة التي بين أظهرهم الآن في أواخر هذا القرن التاسع من المحكم ما يكفي في رد المتشابه إليه ، ففي إنجيل لوقا أن جبريل عليه الصلاة والسّلام ملاك الرب لما تبدى لمريم مبشرا بالمسيح عليهالسلام وخافت منه قال لها : لا تخافي يا مريم ظفرت بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى ، وأنت تقبلين حبلا وتلدين ابنا يدعى يسوع ، يكون عظيما ، وابن العذراء يدعى ؛ ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ؛ وفي إنجيله أيضا وإنجيل متى أن عيسى عليه
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
