حلاوة الظفر ما يجل عن الوصف لأجل الغنيمة التي هي لمن غلب ، وليس في المبادرة إلى حوزها كبير فائدة ، دلالة على تناهي الحب للتكاثر ؛ ناسب المقام ربا التضعيف فقال : ـ أو يقال : لما كان سبب الهزيمة طلبهم الزيادة بالغنيمة ، وكان حب الزيادة حلالا قد يجر إلى حبها حراما ، فيجر إلى الربا المضاعف ، لأن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه قال ـ : (أَضْعافاً مُضاعَفَةً) أي لا تتهيؤوا لذلك بإقبالكم على مطلق الزيادة ، فإن المطلوب منكم بذل المال فضلا عن الإعراض عنه فضلا عن الإقبال عليه ، فالحاصل أنها دلت على الربا بمطابقتها ، وعلى مطلق الزيادة بتضمنها ، وهي من وادي قوله صلىاللهعليهوسلم : «من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» (١) وختام الآية بقوله : (وَاتَّقُوا اللهَ) أي الملك الأعظم (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) مشير إلى ذلك ، أي واجعلوا بينكم وبين مخالفة نهيه عن الربا وقاية بالإعراض عن مطلق محبة الدنيا والإقبال عليها ، لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطالب ، فمن له ملك الوجود وملكه فإنه جدير بأن يعطيكم من ملكه إن اتقيتم ، ويمنعكم إن تساهلتم ، فهو نهي عن الربا بصريح العبارة ، وتحذير من أن يعودوا إلى ما صدر منهم من الإقبال على الغنائم قبل انفصال الحرب فعلا وقوة بطريق الإشارة ، وهي من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، والذي دلنا على إرادة المعنى التضمني المجازي نظمها ، والناظم حكيم في سلك هذه القصة ووضعها في هذا الموضع ، فلا يقدح في ذلك أنه قد كان في هذه القصة أمر يصلح أن يكون سببا لنزول هذه الآية ووضعها هنا ، لأن ذلك غير لازم ولا مطرد ، فقد كان حلفه صلىاللهعليهوسلم أنه يمثل بسبعين منهم كما مثلوا بعمه (٢) حمزة رضي الله عنه سببا لنزول آخر سورة النحل (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) [النحل : ١٢٦] إلى آخرها ، ولم توضع هنا ، والأمر الصالح لأن يكون سببا لها ما روى أبو داود في سننه بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أن عمرو بن أقيش رضي الله عنه كان له ربا في الجاهلية ، فكره
__________________
(١) صحيح. هو بعض حديث أخرجه البخاري ٥٢ و ٢٠٥١ ومسلم ١٥٩٩ وأبو داود ٣٣٢٩ و ٣٣٣٠ والترمذي ١٢٠٥ والنسائي ٨ / ٣٢٧ و ٧ / ٢٤١ وابن ماجه ٣٩٨٤ والدارمي ٢ / ٢٤٥ وابن حبان ٧٢١ وأحمد ٤ / ٢٧٠ و ٢٧١ كلهم من حديث النعمان بن بشير.
(٢) يشير المصنف لحديث أبي هريرة «أن النبي صلىاللهعليهوسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد .....» إلى أن قال : «ثم حلف مع ذلك لأمثلن بسبعين منهم مكانك ....». أخرجه البيهقي في الدلائل ٣ / ٢٨٨ والطبراني والبزار كما في المجمع ٦ / ١١٩ كلهم من حديث أبي هريرة. ـ قال الهيثمي في المجمع : وفيه صالح بن بشير المري وهو ضعيف ا ه. ـ وقال الذهبي في الميزان ٢ / ٢٨٩ : قال البخاري : منكر الحديث وقال النسائي : متروك وقال أحمد : صاحب قصص ليس هو صاحب حديث ا ه. لكن له شواهد وطرق في السيرة والمغازي.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
