(تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي كلها ، التي فيهما والتي في غيرهما ، فلا داعي له إلى الظلم ، لأنه غني عن كل شيء وقادر على كل شيء.
ولما كان من رجوع الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال ـ مادحا لهذه الأمة ليمعنوا في رضاه حمدا وشكرا ومؤيسا لأهل الكتاب عن إضلالهم ليزدادوا حيرة وسكرا : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) أي وجدتم على هذا الوصف الثابت لكم جبلة وطبعا. ثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم سيقهرون أهل الكتاب فقال : (أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) ثم بين وجه الخيرية بما لم يحصل مجموعه لغيرهم على ما هم عليه من المكنة بقوله : (تَأْمُرُونَ) أي على سبيل التجدد والاستمرار (بِالْمَعْرُوفِ) أي كل ما عرفه الشرع وأجازه (وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وهو ما خالف ذلك ، ولو وصل الأمر إلى القتال ، مبشرا لهم بأنه قضى في الأزل أنهم يمتثلون ما أمرهم به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) إراحة لهم من كلفة النظر في أنهم هل يمتثلون فيفلحوا ، وإزاحة لحملهم أعباء الخطر بكونهم يعانون عليه ليفوزوا ويربحوا ، فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب بقصد امتثال الواجب ، وللترمذي ـ وقال : حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلىاللهعليهوسلم يقول في هذه الآية : «أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله سبحانه وتعالى» (١) وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «أنتم خير الناس للناس ، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام» (٢).
ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفا ، وهو أنهم فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه الذي هو أساس كل خير فقال (وَتُؤْمِنُونَ) أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون (بِاللهِ) أي الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته ، وارتدت نوافذ أبصار البصائر خاسئة عن حصر صفاته ، أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ما أخبروا به قولا وفعلا ظاهرا وباطنا ، وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن جميع مناهيه ؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم
__________________
(١) حسن. أخرجه الترمذي ٣٠٠١ من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وصدره عنده : «إنكم ...». ـ قال الترمذي : هذا حديث حسن وقد روى غير واحد هذا الحديث عن بهز بن حكيم نحو هذا ولم يذكروا فيه «كنتم خير أمة أخرجت للناس» ا ه. وحديث بهز حسن كما هو مقرر عند العلماء.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٤٥٥٧ عن أبي هريرة موقوفا عليه بهذا اللفظ. ـ وجاء بلفظ : «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» أخرجه البخاري ٣٠١٠ من حديث أبي هريرة مرفوعا. ثقة فقيه إمام في المغازي توفي سنة ١٤١.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
