في كل وقت من الأوقات على البدل (يَدْعُونَ) مجددين لذلك في كل وقت (إِلَى الْخَيْرِ) أي بالجهاد والتعليم والوعظ والتذكير.
ولما عم كل خير خص ليكون المخصوص مأمورا به مرتين دلالة على جليل أمره وعليّ قدره فقال : (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) أي من الدين (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فيه بحيث لا يخلو وقت من الأوقات عن قوم قائمين بذلك ، وهو تنبيه لهم على أن يلازموا ما فعله الرسول صلىاللهعليهوسلم ومن معه من أصحابه رضي الله تعالى عنهم من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر حين استفزهم الشيطان بمكر شأس بن قيس في التذكير بالأحقاد والأضغان والأنكاد ، وإعلام بأن الذكرى تنفع المؤمنين.
ولما كان هذا السياق مفهما لأن التقدير : فإنهم ينالون بذلك خيرا كثيرا ، ولهم نعيم مقيم ؛ عطف عليه مرغبا : (وَأُولئِكَ) أي العالو الرتبة العظيمو النفع (هُمُ الْمُفْلِحُونَ) حق الإفلاح ، فبين سبحانه وتعالى أن الاجتماع المأمور به إنما هو بالقلوب الجاعلة لهم كالجسد الواحد ، ولا يضر فيه صرف بعض الأوقات إلى المعاش وتنعيم البدن ببعض المباحات ، وإن كان الأكمل صرف الكل بالنية إلى العبادة.
ولما أمر بذلك أكده بالنهي عما يضاده معرضا بمن نزلت هذه الآيات فيهم من أهل الكتاب مبكتا لهم بضلالهم واختلافهم في دينهم على أنبيائهم فقال : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا) بما ابتدعوه في أصول دينهم وبما ارتكبوه من المعاصي ، فقادهم ذلك ولا بد إلى التخاذل والتواكل والمداهنة التي قصدوا بها المسالمة فجرتهم إلى المصارمة. ولما كان التفرق ربما كان بالأبدان فقط مع الاتفاق في الآراء بيّن أن الأمر ليس كذلك فقال : (وَاخْتَلَفُوا) بما أثمر لهم الحقد الحامل على الاتصاف بحالة من يظن أنهم جميع وقلوبهم شتى.
ولما ذمهم بالاختلاف الذي دل العقل على ذمه زاد في تقبيحه بأنهم خالفوا فيه بعد نهي العقل واضح النقل فقال : (مِنْ) أي وابتدأ اختلافهم من الزمان الذي هو من (بَعْدِ ما جاءَهُمُ) وعظمه بإعرائه عن التأنيث (الْبَيِّناتُ) أي بما يجمعهم ويعليهم ويرفعهم ويوجب اتفاقهم وينفعهم ، فأرداهم ذلك الافتراق وأهلكهم.
ولما كان التقدير : فأولئك قد تعجلوا الهلاك في الدنيا فهم الخائبون ، عطف عليه قوله : (وَأُولئِكَ) أي البعداء البغضاء (لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) أي في الدار الآخرة بعد عذاب الدنيا باختلافهم منابذين لما من شأنه الجمع ، والآية من الاحتباك : إثبات (الْمُفْلِحُونَ) أولا يدل على «الخسرون» ثانيا ، والعذاب العظيم ثانيا يدل على النعيم المقيم أولا.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
