على الإسلام فلم يكن في جبلته شيء من العوج فلم يكن له دين غير الإسلام نفى الكون فقال : (وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي بعزيز ولا غيره من الأكابر كالأحبار الذين تقلدونهم مع علمكم بأنهم يدعون إلى ضد ما دعا إليه سبحانه وتعالى.
ولما ألزمهم سبحانه وتعالى بالدليل الذي دل على النسخ أنهم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، وأوجب عليهم اتباعها بعد بيان أنها هي ما عليه محمد صلىاللهعليهوسلم وأتباعه ، أخبر عن البيت الذي يخول إليه التوجه في الصلاة ، فعابوه على أهل الإسلام أنه أعظم شعائر إبراهيم عليه الصلاة والسّلام التي كفروا بتركها ، ولذلك أبلغ في تأكيده فقال سبحانه وتعالى : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ) أي من البيوت الجامعة للعبادة (وُضِعَ لِلنَّاسِ) أي على العموم متعبدا واجبا عليهم قصده وحجه بما أمرهم به على لسان موسى عليه الصلاة والسّلام ، واستقباله في الصلاة بما أنزل على محمد صلىاللهعليهوسلم في ذلك ، ولعل بناء وضع ، للمفعول إشارة إلى أن وضعه كان قبل إبراهيم عليه الصلاة والسّلام (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) أي البلدة التي تدق أعناق الجبابرة ، ويزدحم الناس فيها إزدحاما لا يكون في غيرها مثله ولا قريب منه ، فلا بد أن يدق هذا النبي الذي أظهرته منها الأعناق من كل من ناواه ، ويزدحم الناس على الدخول في دينه ازدحاما لم يعهد مثله ، فإن فاتكم ذلك ختم في الدارين غاية الخيبة ودام ذلكم وصغاركم ؛ حال كونه (مُبارَكاً) أي عظيم الثبات كثير الخيرات في الدين والدنيا (وَهُدىً لِلْعالَمِينَ) أي من بني إسرائيل ومن قبلهم ومن بعدهم ، فعاب عليهم سبحانه وتعالى في هذه الآية فعلهم من النسخ ما أنكروه على مولاهم. وذلك نسخهم لما شرعه من حجة من عند أنفسهم تحريفا منهم مثالا لما قدم من الإخبار به عن كذبهم ، وهذا أمر شهير يسجل عليهم بالمخالفة ويثبت للمؤمنين المؤالفة ، فإن حج البيت الحرام وتعظيمه من أعظم ما شرعه إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ـ كما هو مبين في السير وغيرها وهم عالمون بذلك ، وقد حجه أنبياؤهم عليهم الصلاة والسّلام وأسلافهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وأتباعهم ـ كما روي من غير طريق عن النبي صلىاللهعليهوسلم حتى أن في بعض الطرق أنه كان مع موسى عليه الصلاة في حجة إليه سبعون ألفا من بني إسرائيل (١) ، ومن المحال عادة أن يخفى ذلك عليهم ، ومن الأمر الواضح أنهم قد تركوا
__________________
(١) لم أره بهذا اللفظ. وهو عنه أبي يعلى ٤٢٧٥ من حديث أنس «لقد مرّ بالصخرة من الرّوحاء سبعون نبيا حفاة عليهم العباءة يؤمّون البيت العتيق منهم موسى نبيّ الله صلىاللهعليهوسلم» وإسناده واه فيه سعيد بن ميسرة قال البخاري : منكر الحديث وكذبه الحاكم وابن حبان واكتفى الهيثمي في المجمع ٣ / ٢٢٠ بأنه ضعيف. وأخرجه أبو يعلى ٥٠٩٣ من حديث ابن مسعود بنحوه وإسناده ضعيف لضعف يزيد بن
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
