فقال : (ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً) أي بأن تمادوا على ذلك ولم يبادروا بالتوبة (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) أي إن تابوا ، لأن الله سبحانه وتعالى يطبع على قلوبهم فلا يتوبون توبة نصوحا يدومون عليها ويصلحون ما فسد ، أو لن توجد منهم توبة حتى يترتب عليها القبول لأنهم زادوا عن أهل القسم الأول بالتمادي ، ولم يأت بالفاء الدالة على أنه مسبب عما قبله إعلاما بأن ذلك إنما هو لأنهم مطبوع على قلوبهم ، مهيؤون للكفر من أصل الجبلة ، فلا يتوبون أبدا توبة صحيحة ، فالعلة الحقيقية الطبع لا الذنب ، وهذا شامل لمن تاب عن شيء وقع منه كأبي عزة الجمحي ، ولمن لم يتب كحيي بن أخطب (وَأُولئِكَ هُمُ) أي خاصة (الضَّالُّونَ) أي الغريقون في الضلال ، وإليه أشار (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا) [الأنفال : ٢٣] لوقوعهم في أبعد شعابه وأضيق نقابه ، فأنى لهم بالرجوع منه والتفصي عنه!
ولما أثبت لهم الخصوصية بذلك لائنا لهم فيه إلى حد أيس معه من رجوعهم تشوف السامع إلى حالهم في الآخرة فقال مبينا لهم أن السبب في عدم قبول توبتهم تفويت محلها بتماديهم على الكفر : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي هذا الكفر أو غيره ، ويجوز أن يكون المراد أنهم ثلاثة أقسام : التائبون توبة صحيحة وهم الذين أصلحوا ، والتائبون توبة فاسدة ، والواصلون كفرهم بالموت من غير توبة ، ولذا قال : (وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) ولما كان الموت كذلك سببا للخلود في النار لأن السياق للكفر والموت عليه ، صرح بنفي قبول الفداء كائنا من كان ، وربطه بالفاء فقال : (فَلَنْ يُقْبَلَ) أي بسبب شناعة فعلهم الذي هو الاجتراء على الكفر ثم الموت عليه (مِنْ أَحَدِهِمْ) أي كائنا من كان (مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً) أي من الذهب ، لا يتجدد له قبول ذلك لو بذله هبة أو هدية أو غير ذلك (وَلَوِ افْتَدى بِهِ) لو في مثل هذا السياق تجيء منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء ، وما بعدها جاء تنصيصا على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها ، كقوله صلىاللهعليهوسلم «أعطوا السائل ولو جاء على فرس» (١) فكونه جاء على فرس يؤذن بغناه ، فلا
__________________
(١) يشبه الحسن. أخرجه أبو داود ١٦٦٥ وأبو يعلى ٦٧٨٤ والديلمي في الفردوس ٤٩٧٢ والقضاعي في مسند الشهاب ٢٨٥ والطبراني ٢٨٩٣ وأحمد ١ / ٢٠٠ وابن أبي شيبة ٣ / ١١٣ والحلية ٨ / ٣٧٨ كلهم من حديث الحسين بن علي. ولفظ أبي داود وغيره : «قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : للسائل حق ، وإن جاء على فرس». قال العراقي في الإحياء ٤ / ٢١٠ : وفيه يعلى بن أبي يحيى جهله أبو حاتم ووثقه ابن حبان ا ه. وقال الذهبي : مجهول. وكذا قال الحافظ في التقريب. وأخرجه ابن عدي ٤ / ١٨٧ ، ٥ / ٢٩ من حديث أبي هريرة ، وأعلّه بعمر بن يزيد المدائني ، وهو ضعيف وأخرجه أبو داود ١٦٦٦ من حديث علي وقال العراقي في الإحياء ٤ / ٢١٠ : وفيه شيخ لم يسم ا ه. وأخرجه مالك في الموطأ ٢ / ٩٩٦ عن زيد بن أسلم مرسلا. وأخرجه الطبراني في الصغير والأوسط كما في المجمع ٣ / ١٠١ من حديث
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
