وأغرق فيه ناسب الإعراء عن التأكيد بما في البقرة ، ونظر إلى الكل لمحا واحدا فقال : (وَالنَّبِيُّونَ) أي كافة من الوحي والمعجزات ليكون الإيمان بالمنزل مذكورا مرتين لشرفه (مِنْ رَبِّهِمْ) أي المحسن إليهم خاصة وإلى العباد عامة بإرسالهم إليهم ؛ ثم استأنف تفسير هذا الإيمان بقوله : (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) تنبيها على الموضع الذي كفر به اليهود والنصارى (وَنَحْنُ لَهُ) أي لله وما أنزل من عنده (مُسْلِمُونَ) أي منقادون على طريق الإخلاص والرضى.
ولما أمر سبحانه وتعالى بإظهار الإيمان بهذا القول ، وكان ذلك هو الإذعان الذي هو الإسلام قال ـ محذرا من الردة عنه عاطفا على (آمَنَّا) ومظهرا لما من حقه الإضمار لو لا إرادة التنبيه على ذلك مشيرا بصيغة الافتعال إلى مخالفة الفطرة الأولى ـ : (وَمَنْ يَبْتَغِ) أي يتطلب (غَيْرَ) دين (الْإِسْلامِ) الذي هو ما ذكر من الانقياد لله سبحانه وتعالى المشتمل على الشرائع المعروفة التي أساسها الإيمان بعد التلبس به حقيقة بإظهار اتباع الرسل أو مجازا بالكون على الفطرة الأولى بما أشعر به الابتغاء ـ كما تقدم ، وكرر الإسلام في هذا السياق كثيرا لكونه في حيز الميثاق المأخوذ بمتابعة الرسول المصدق حثا على تمام الانقياد له (دِيناً) وأتى بالفاء الرابطة إعلاما بأن ما بعدها مسبب عما قبلها ومربوط به فقال : (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) أي في الدنيا ، وأشعر ترتيب هذا على السبب بأنه يرجى زوال السبب لأنه مما عرض للعبد كما جرى في الردة في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه ، فإنه رجع إلى الإسلام أكثر المرتدين وحسن إسلامهم ، وقوله : (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) معناه : ولا يقبل منهم في الآخرة ، مع زيادة التصريح بالخسارة ـ وهي حرمان الثواب ـ المنافية لمقاصدهم ، والقصد الأعظم بهذا أهل الكتاب مع العموم لغيرهم لإقرارهم بهذا النبي الكريم وتوقعهم له ، عالمين قطعا بصدقه لما في كتبهم من البشارة به.
ولما أخبر سبحانه وتعالى بخسارة من ارتد عن الإسلام شرع يستدل على استحقاقه لذلك بقوله : (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ) مع ما له من كمال العظمة (قَوْماً) أي يخلق الهداية في قلوب ناس لهم قوة المحاولة لما يريدونه (كَفَرُوا) أي أوقعوا الكفر بالله ربهم وبما ذكر مما أتت به رسله إعراضا عنه وعنهم. ولما كان المقصود بكمال الذم من استمر كفره إلى الموت قال من غير جار : (بَعْدَ إِيمانِهِمْ) بذلك كله (وَشَهِدُوا) أي وبعد أن شهدوا (أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ) بما عندهم من العلم به (وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) أي القاطعة بأنه حق وأنه رسول الله قطعا ، لا شيء أقوى من بيانه ولا أشد من ظهوره بما أشعر به إسقاط تاء التأنيث من جاء.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
