صفات عيسى عليه الصلاة والسّلام المقتضية لنفي الإلهية عنه ما لا يخفى على ذي لب شرع يبين أنهم كاذبون فيما يدعونه في عيسى عليه الصلاة والسّلام ، فنفي أن يكون قال لهم ذلك أو شيئا منه على وجه شامل له ولكل من اتصف بصفته وبسياق هو بمجرده كاف في إبطال قولهم فقال : (ما كانَ) أي صح ولا تصور بوجه من الوجوه (لِبَشَرٍ) أي من البشر كائنا من كان من عيسى وعزير عليهما الصلاة والسّلام وغيرهما (أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما (الْكِتابَ وَالْحُكْمَ) أي الحكمة المهيئة للحكم ، وهي العلم المؤيد بالعمل والعمل المتقن بالعلم ، لأن أصلها الإحكام ، وهو وضع الشيء في محله بحيث يمتنع فساده (وَالنُّبُوَّةَ) وهي الخبر من الله سبحانه وتعالى المقتضي لأتم الرفعة ، يفعل الله به ذلك الأمر الجليل وينصبه للدعاء إلى اختصاصه الله بالعبادة وترك الأنداد (ثُمَ) يكذب على الله سبحانه وتعالى بأن (يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي).
ولما كان ذلك قد يكون تجوزا عن قبول قوله والمبادرة لامتثال أمره عن الله سبحانه وتعالى احترز عنه بقوله : (مِنْ دُونِ اللهِ) أي المختص بجميع صفات الكمال إذ لا يشك عاقل أن من أوتي نبوة وحكمة ـ وهو بشر ـ في غاية البعد عن ادعاء مثل ذلك ، لأن كل صفة من صفاته ـ لا سيما تغير بشرته الدالة على انفعالاته ـ مستقلة بالإبعاد عن هذه الدعوى ، فلم يبق لهم مستند ، لا من جهة عقل ولا من طريق نقل ، فصار قول مثل ذلك منافيا للحكمة التي هو متلبس بها ، فصح قطعا انتفاؤه عنه.
ولما ذكر ما لا يكون له أتبعه ما له فقال : (وَلكِنْ) أي يقول (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) أي تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل ، والألف والنون زيدتا للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم اللدني ، فإن الرباني هو الشديد التمسك بدين الله سبحانه وتعالى وطاعته ، قال محمد بن الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما مات : مات رباني هذه الأمة : (بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ) أي بسبب كونكم عالمين به معلمين له (وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) فإن فائدة الدرس العلم ، وفائدة العلم العمل ، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق.
ولما نفي أن يكون الحكيم من البشر داعيا إلى نفسه وأثبت أنه يكون ولا بد داعيا إلى الله سبحانه وتعالى لتظهر حكمته أثبت أن ذلك لا بد وأن يكون على وجه الإخلاص ، لأن بعض الشياطين يحكم مكره بإبعاد التهمة عن نفسه بالدعاء إلى غيره على وجه الشرك لا سيما إن كان ذلك الغير ربانيا كعيسى عليه الصلاة والسّلام فقال : (وَلا يَأْمُرَكُمْ) أي ذلك البشر (أَنْ تَتَّخِذُوا) أتى بصيغة الافتعال إيذانا بأن الفطر مجبولة على التوجه لله سبحانه وتعالى من غير كلفة (الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ) فضلا عن غيرهم (أَرْباباً)
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
