محيط بكل شيء قدرة وعلما (وَأَيْمانِهِمْ) أي التي عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل (ثَمَناً قَلِيلاً) في الدنيا (أُولئِكَ) أي البعيد والرتبة في الدناءة (لا خَلاقَ) أي نصيب (لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) أي لبيعهم له بنصيب الدنيا (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) أي الملك الأعظم استهانة بهم وغضبا عليهم بما انتهكوا من حرمته.
ولما زادت هذه عن آية البقرة العهد والحلف ، وكان من عادة الحالف والمعاهد النظر إلى من فعل ذلك لأجله زاد قوله : (وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي بل يعدهم أحقر شيء بما أعرضوا عنه ، ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال : (يَوْمَ الْقِيامَةِ) الذي من افتضح في جمعه لم يفز (وَلا يُزَكِّيهِمْ) لأنهم لم يزكوا اسمه (وَلَهُمْ) أي مع ذلك (عَذابٌ أَلِيمٌ) يعرفون به ما جهلوا من عظمته.
ولما نسبهم إلى الكذب عموما نبه على نوع خاص منه هو أكذب الكذب فقال : (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً) أي جبلوا على الفرقة ، فهم لا يزالون يسعون في التفريق (يَلْوُونَ) أي يفتلون ويحرفون (أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ) بأن ينقلوا اللسان لتغيير الحرف من مخرج إلى آخر ـ مثلا بأن يقولوا في (اعْبُدُوا اللهَ :) [المائدة : ٧٢ وغيرها] اللات ، وفي (لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ إِلَّا بِالْحَقِ) [الأنعام : ١٥١] بالحد ، وفي «من زنى فارجموه» فارحموه بالمهملة ، أو فحمموه ، أو اجلدوه ـ ونحو هذا.
ولما كان كلام الله سبحانه وتعالى لما له من الحلاوة والجلالة لا يلبس بغيره إلا على ضعيف العقل ناقص الفطرة عبر بالحسبان تنفيرا عن السماع منهم وتنبيها على بعد ما يسمعه الإنسان من غيره فقال : (لِتَحْسَبُوهُ) أي الذي لوى به اللسان فحرف (مِنَ الْكِتابِ) أي المنزل من عند الله ، ولما علم بهذه أنه ليس منه نبه على أنه في غاية البعد عنه فقال : (ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ) أعاده ظاهرا تصريحا بالتعميم.
ولما كان إيهامهم هذا من الجرأة بمكان أعلم سبحانه وتعالى أنهم تجاوزوا إلى ما هو أعظم منه فصرحوا بما أوهموه فقال : (وَيَقُولُونَ) أي مجددين التصريح بالكذب في كل وقت بأن يقولوا و (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ) أي المحيط بجميع صفات الكمال ، ثم صرح بكذبهم بقوله ـ مبعدا لما لووا به ألسنتهم عن أن يكون فيه ثبوت حق مظهرا في موضع الإضمار لأن الاسم الذي لم يشارك فيه أحد بوجه أنص على المراد وأنفى لكل احتمال : (وَما هُوَ) أي الذي لووا به ألسنتهم حتى أحالوه عن حقيقته (مِنْ عِنْدِ اللهِ) أي الذي له الإحاطة العامة ، فما لم يكن من عنده فلا حق فيه بوجه من الوجوه ، لا بكونه من الكتاب ولا من غيره.
ولما بين بهذا كذبهم على الله سبحانه وتعالى تصريحا بعد أن قدم في الآية الأولى بيانه بما يظن تلويحا أخبر بأن ذلك عادة لهم ، لا يقفون منه عند عد ، ولا ينحصرون فيه
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
